اراء وأفكار

حذارِ من الإجراء… التخلص من المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون

عدنان الصفار

امين عام اتحاد نقابات عمال العراق

تثير المؤشرات والتصريحات التي أعقبت اجتماعات كتل الإطار التنسيقي بمشاركة رئيس مجلس الوزراء الأخيرة مخاوف جدية لدى الحركة النقابية العمالية بشأن التوجهات المحتملة للحكومة تجاه مؤسسات القطاع العام الإنتاجية، ولا سيما تلك التي تعاني من تراكم الديون والخسائر المالية. فالمقترحات التي تتحدث عن تحويل ملكية هذه المؤسسات أو التخلص منها تحت عنوان “تخفيف الأعباء المالية عن الدولة” تستدعي وقفة مسؤولة وحواراً وطنياً شاملاً، لما قد تتركه من آثار اقتصادية واجتماعية خطيرة.

إن المشكلة الأساسية التي تواجه مؤسسات القطاع العام في العراق لا تكمن في طبيعة ملكيتها العامة أو في ما يسمى بـ”العقلية الاشتراكية”، كما يحاول البعض تصويره، بل في عقود طويلة من سوء الإدارة، وغياب التخطيط الاستراتيجي، واستشراء الفساد المالي والإداري، والتدخلات السياسية والحزبية، فضلاً عن عدم توفير البيئة المناسبة لتطوير هذه المؤسسات وتحديثها وتمكينها من المنافسة.

ومن غير المقبول تحميل العمال والقطاع العام مسؤولية الإخفاقات المتراكمة التي كانت في جوهرها نتيجة لسياسات حكومية وإدارية خاطئة. فالمؤسسات الإنتاجية الحكومية لم تصل إلى واقعها الحالي بسبب طبيعة ملكيتها العامة، وإنما بسبب إهمال متعمد أو غير متعمد، وغياب الرؤية التنموية الواضحة، وعدم محاسبة المسؤولين عن الفساد والهدر وسوء الإدارة.

إن الدعوات التي تطرح اليوم لتحويل ملكية المؤسسات الحكومية ذات النشاط الإنتاجي أو بيع أصولها بحجة التخلص من الديون، تثير مخاوف مشروعة من أن تتحول هذه الإجراءات إلى بوابة جديدة للهدر والفساد، بدلاً من أن تكون أداة حقيقية للإنقاذ والإصلاح الاقتصادي.

ففي ظل استمرار مستويات الفساد المرتفعة وضعف آليات الرقابة والشفافية، يبرز خطر حقيقي يتمثل في وجود فجوة كبيرة بين القيمة الحقيقية للأصول الحكومية والأسعار التي قد تباع بها. وقد نجد أنفسنا أمام سيناريوهات يتم فيها بيع مؤسسات عامة استراتيجية بمبالغ تقل كثيراً عن قيمتها الفعلية، الأمر الذي يمثل خسارة مزدوجة للدولة والمجتمع: خسارة للأصول الوطنية، وخسارة لفرص التنمية والتشغيل.

إن مؤسسة حكومية قد تُباع مقابل عشرات الملايين من الدولارات، في حين أن قيمتها الحقيقية تتجاوز أضعاف ذلك، بسبب ضعف التقييم أو التأثيرات السياسية أو غياب المنافسة العادلة والشفافة. وفي هذه الحالة، فإن الدولة لن تتخلص من عبء مالي فحسب، بل ستفقد أيضاً أصولاً إنتاجية بنيت من المال العام وعلى مدى عقود طويلة.

ومن منظور نقابي عمالي، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ ببيع المؤسسات أو تصفيتها، وإنما يبدأ بمكافحة الفساد ومحاسبة المتسببين بالخسائر، واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في الإدارة، وإعادة هيكلة المؤسسات المتعثرة وفق أسس اقتصادية سليمة، وتوفير الدعم اللازم لتحديث خطوط الإنتاج والتكنولوجيا، وإشراك ممثلي العمال والخبراء الاقتصاديين في وضع خطط الإصلاح.

كما أن الحديث عن ضعف أداء القطاع العام يجب أن يقترن أيضاً بالاعتراف بحقيقة أن القطاع الخاص العراقي لا يزال يعاني من هشاشة بنيوية، وغير قادر في العديد من القطاعات على قيادة عملية التنمية الاقتصادية بمفرده أو استيعاب الأعداد الكبيرة من العاملين في المؤسسات الحكومية. وبالتالي، فإن التخلي عن القطاع العام دون وجود قطاع خاص وطني قوي ومنظم قد يؤدي إلى تفاقم البطالة وتعميق التفاوت الاجتماعي وزيادة الاعتماد على الاستيراد.

إن تجارب العديد من الدول تؤكد أن نجاح الاقتصادات الحديثة لا يقوم على إلغاء دور الدولة أو خصخصة كل شيء، بل على تحقيق توازن مدروس بين القطاعين العام والخاص، بحيث يحتفظ القطاع العام بدوره في القطاعات الاستراتيجية والإنتاجية والخدمية الأساسية، بالتوازي مع تشجيع القطاع الخاص الوطني المنتج.

وعليه، فإن الحركة النقابية العمالية تؤكد رفضها لأي إجراءات متسرعة تستهدف تصفية أو بيع مؤسسات القطاع العام الإنتاجية تحت ضغط الأزمات المالية أو تحت شعارات الإصلاح الاقتصادي غير المدروسة. كما تدعو إلى إطلاق حوار وطني واسع تشارك فيه الحكومة ومجلس النواب والنقابات العمالية والخبراء الاقتصاديون ومنظمات المجتمع المدني، بهدف وضع استراتيجية وطنية شاملة لإصلاح القطاع العام وتطويره، بعيداً عن الحلول السريعة التي قد تفضي إلى التفريط بثروات الشعب العراقي ومكتسباته الاقتصادية.

إن حماية القطاع العام المنتج لا تعني الدفاع عن الفساد أو الفشل الإداري، بل تعني الدفاع عن الاقتصاد الوطني، وعن حقوق العمال، وعن حق الأجيال القادمة في الاستفادة من الأصول والثروات التي بُنيت بجهود العراقيين جميعاً. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من معالجة أسباب الأزمة، وليس من بيع نتائجها.

ليكن شعار المرحلة: “الإصلاح الحقيقي يبدأ بمكافحة الفساد وإعادة بناء المؤسسات، لا ببيع أصول الشعب العراقي والتفريط بالقطاع العام المنتج.”

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان