رحيم العراقي
ولد ( كاصد حميد مهوس السويعـدي الغـزي الفضلي) عام 1922 و استقل بعد وفاة والده بالسكنى مع والدته الحاجة رباب حسن و أختيه وعمل بجنسية ابن عمه و الذي سوف يتزوج أخته الكبرى فيما بعد عوده لعيبي السويعـدي لعدم حصوله على جنسية ، في إسكلة البصرة ( الميناء ) بمساعدة ابن عمه كَاطع لعيبي التنديل او مراقب العمل و بعض اولاد عمه وبعد سنوات طويلة من العمل الشاق غادر البصرة الى بغداد عام 1948 و قد وعد أمه بالعودة لاصطحاب العائلة حال حصوله على عمل .
كانت جدتي تعمل في چراديغ ( مكابس )التمر بالبصرة المنتشرة على ضفتي شط العرب والانهر الرئيسية المتفرعة منه في منطقة طولها 60 كيلومترا ينتهي بنهر ابو الفلوس وتسكن مع عائلتها الصغيرة مع المئات من العوائل القادمة من مسافات بعيدة في بيوت بسيطة من القصب والبواري والتي كثيرا ما تنهشها نيران الحرائق وتمحوها عن بكرة ابيها لأسباب غير معروفة لغير مدبريها ، و حالف أبي الحظ و اصبح عاملا في شركة الكهرباء في العبخانه ببغداد . و استأجر غرفة في منزل بالدوريين و جلب أمه من البصرة وبعد بضعة اعوام من عمله بشركة الكهرباء التي لم تتحول بعد الى مصلحة الكهرباء الوطنية بنى بيته الطيني في الشاكرية أو ما تسمى ( كرادة مريم – صرائف .).
تزوج عوده لعيبي ربيع عام 1952من امرأة من عشيرته ، و ظل يواصل ليالي السهر في مقهى يوسف مع أصدقائه حمدي و بداي و إبن عمه لفته لعيبي و يعود ساعة متأخرة من الليل مخموراً و رغم ذلك لم تشك منه لأنه كان طيب القلب و يكرر في مثل هذا الوقت الإعلان عن وعده بالإقلاع عن الخمر الذي يلهيه عن واجبه كبروليتاري يجب عليه متابعة شؤون البلاد و المشاركة في التظاهرات ، و يخلد الى النوم كالطفل الوديع ، أما في ليلة ( الخميس على جمعة ) فيستغفر ربه طالبا قبول توبته الأسبوعية ، و يصحو فجر الجمعة ويتوضأ و يصلي بصوتٍ عال ، ويعود الى النوم ليفطر مع العائلة الصغيرة المكونة من كريم و فوزية و كريمة ورحيم ، بعد زواج أختيه و أمه ، و في منتصف النهار يذهب الى الجامع ، ولا يعود الى البيت ، بل يذهب من هناك الى قهوة يوسف ليشهد تسجيل شريط غنائي لأحد مطربي الريف ، أو التمتع برفقة المطرب ( حسين سعيدة ) والإستماع الى أغنياته المفضلة حيث يحرص المطرب على قضاء قيلولة ( الظهرية الحمراء ) على احدى ( القنفات ) تحت المروحة السقفية قبل مجيء رواد المقهى عصرا .
و قد يستمر في الثبات على وعده و توبته النصوحة ويبقى في المقهى طوال مساء يوم الجمعة ، أو يقرر الذهاب الى ( الميخانة ) مع بداي وحمدي، وذلك حسب حالته المادية.
و قد حدث ما لم يكن في الحسبان و ذلك عندما كان في سوق العلاوي لشراء قاط العيد لابنه البكر كريم ، حيث مر من أمام سينما قدري أو سينما الاوزرملي واسمها الرسمي ( سينما بغداد ) وتقع قرب المتحف العرقي من جهة الشواكة وكانت تعرض فلما اجنبيا لاول مرة و قد ازدحمت عشرات العوائل ببوابتها ، فظهر رجل ( سكران يتطوطح ) من الزقاق المجاور لدار السينما و فتح سحاب بنطاله العريض و أخذ يتبول غير آبه بالمارة و طابور رواد السينما أمام شباك التذاكر ، فقال كريم لأبي بصوتٍ باكٍ وهما يتجاوزان المكان بسرعة :
– بويه ، إنت هم تسوي هيچـي من تسكر..
يقول أبي : عندها أحسست ببرودة جبيني و ( علباتي ) ، و بالعرق يسيل من كفي ويبلل كف كريم ، و عجزت عن الرد ، و أقسمت حينها ألا أقرب الخمر بقية حياتي ، و أوفيت بالوعد والعهد ، لنفسي . وهكذا نفذ أبي قراره على غير عادته فيما يخص هذا الأمر.
أحببت نسخة أبي ( البيتوتية ) التي ظهرت منذ عام 1960 و حتى وفاته عام 2010 ، و ان فقد الكثير من مرحه و لامبالاته و التي ورثتها منه ، بل و صلابته و قد واجه ظروفا و تجارب مريرة تتطلب منه التماسك و عدم الإستسلام .
في عام 1974 اعتقل كريم بتهمة ( المشاركة بتنظيم شيوعي في الجيش ) وهي تهمة ظالمة لا تناسب سيرته الذاتية البريئة ، فجن جنون أبي وباع بيتنا بمئتي دينار في عام شهد ارتفاع أسعار العقارات ، وانتهت مهلة الشهرين التي نص عليها العقد لإخلاء البيت دون أن يجد بيتاً أو يعرف مكانا و مصير ابنه الأثير. وكنت مشغولا عنه بامتحانات بكالوريا الثالث المتوسط ، فكان وحيدا في هذا المعترك.
كان يحتاج الى مئتي دينار ليحصل على بيت ، بالكاد يجمعنا ، و عندما سمع بأن إبن عمه و رفيق صباه قد ربح الجائزة الأولى لبطاقات إنشاء المستشفيات ذهب الى بيته و طلب منه أن يقرضه ربع المبلغ قبل أن يفقد الأمل بالحصول على بيت للعائلة المنكوبة ‘ فطمأنه و أخبره بأنه مرتبط بموعد وسيعود بعد نصف ساعة ، وخرج العم ، وظل الوالد ينتظر حتى الثالثة بعد منتصف الليل ، و نام أفراد عائلة العم ، فغادر أبي ، وعاد الى بيتنا تتبعه صافرات الحراس و نباح الكلاب .
قرر أبي أن يستعين بيوسف القصاب في العلاوي و هو رجل واسع العلاقات تعرف عليه خلال عمله في شعبة خدمات الدور و منحه خط ثري فيز لأنه عرف بأنه من محبي شعر إبنه كريم و أنه تعرف عليه في مهرجان التضامن مع تشيلي ، فزاره في محله الكبير ، و أخبره بما حصل لكريم ، فصاح به القصاب المثقف :
– إي غير تحچـي ، تكَول ..
و أسرع في خلع ملابس العمل و إرتدى الصاية والچـراويه ، و أغلق ( الكبكنَـَ ) وسار مسرعا و ابي يتبعه بفرح و هو يلهث ، و بعد دقائق دخل احدى المقاهي المزدحمة الواسعة و أشار الى أبي بالجلوس و جلس هو مسترخ و صاح :
– چايين ومي بارد و نركَيلتي ..
ثم سأل أبي – أبو كريم تشرب نركَيله ..؟.
فأجابه بالنفي ، و سرعان ما أحضرو النركِيلة ، فسحب نفسا عميقا و قال بعد القرقرة :
– هسه أبو كريم سولف لي ، شنو القصة .؟.
و لم يتحمل أبي أو يتجاوب مع دعاباتي له ، حيث قلت له ذات مرة :
– بويه أكو بيت بالكَياره ،أربع غرف ، و ين البنزينخانه .؟.
صاح بحماس : إي ..
قلت له – إشودّاك للبنزبنخانه .؟. هو يم قطعة سينما الرافدين ، يم الأوروزدي .
– إي ، بيش يردونه .؟.
– و الله سألت عنه، كَالو مو للبيع، ..
.. نصحوا أبي بمراجعة مقر الحزب الشيوعي العراقي لعلهم يعرفون شيئا عن كريم، أو يتدخلون عن طريق الجبهة الوطنية لإطلاق سراحه،، فذهب الى هناك ، فوجدهم في شغل شاغل عنه، فسأل أحدهم :
– شنو ، شكو ، إشبيهم .؟.
أجابه – ماكو شي، اليوم إعتقلو عضو اللجنه المركزيه ، وهو عضو بمكتب الجبهة الوطنية ..
فتمتم أبي بخيبة أمل :
– خوش ، بيهه الخير ..
رحم الله الراحلين العزيزين ابي و شقيقي الراحل كريم العراقي حيث قال:
آهٍ كَمْ أَشتاقُ أَيامَ أَبيْ
رُغمَ ما فيها من الهمِّ وطولِ التعبِ
ذلك الرجل الرهيبُ العصبيُّ العصبيْ
إِنه أُورثنيْ الحزنَ ولكن..
دّني بالعزمِ والعزةِ والصبرِ الأَبيم
فحملتُ العبءَ طفلاً ودموعي لُعبَي
وبكى حينَ رآني ناجحاً
ورضى عِينيهِ أطفا تعبيْ
إنما كانَ أبي..
قاسيَ الوجهِ ويُخفي نهرَ حُبٍ عذبِ
قلبهُ قلبُ صبيْ
صبرُهُ صبرُ نبيْ.. رحم الله أَبيْ.








