من رحم النضال
الحلقة السادسة والعشرون
د. مزاحم مبارك مال الله
بدأت الأيام والأشهر تمضي وأنا منغمس في العمل الاتحادي وعلى حساب مستواي الدراسي، وهذه هي ضريبة الاندفاع غير المنضبط، وبدأ مستواي يتلكأ عكس زملائي (ع. ب) و(هـ).
حصلت حالات مهمة لا بد أن أذكرها، وهي أن الزميل (ن) أنهى الدراسة الإعدادية وانقطعت أخباره. (بعد عام 2017، حينما وصلت إلى كندا عرفت أنه مقيم فيها. التقينا واستعدنا الأيام الخوالي، وعرفت أنه بعد الإعدادية التحق بزمالة دراسة في الاتحاد السوفيتي، ومن هناك التحق بقوات الأنصار التي كانت تقاتل نظام البعث الفاشي عام 1979، ولكنه لسوء حظه، وبينما كان يلتحق بالأنصار مع عدد آخر من الرفاق، تم القبض عليهم في الطريق من قبل الجندرمة التركية، وقد أشار إليهم الرفيق توما توماس في مذكراته “أوراق توما توماس”).
انتهى العام الدراسي وتخرج (ن) من الإعدادية (السادس الإعدادي)، وانتقلنا نحن إلى المرحلة النهائية (السادس الإعدادي). التحق أخي الأصغر بإعدادية الكندي، المنشطرة حديثاً أو المستحدثة تواً عن إعدادية المنصور، لكنها كانت في بناية قريبة من شوارع الحارثية، وليست بعيدة عن إعدادية المنصور.
بعد أن ترك الزميل (ن) الدراسة في الإعدادية، تواصل الاتحاد معنا بواسطة زميل آخر من خارج مدرستنا. أما الأمر الآخر فقد وصلنا ترحيل زميل، التقيته ولمست فيه النشاط والاندفاع والقدرة على التجديد في صور نضالات الاتحاد. ولكن بعد مضي ثلاثة أشهر على التحاقه بنا، وللأسف الشديد، توفي الزميل إثر غرقه في مياه دجلة أثناء السباحة.
ذهبنا إلى المأتم الذي أقيم على روحه الطاهرة (هذا الزميل هو من أقاربي من طرف الوالد).
في يوم، جاء إلي أحد عناصر الاتحاد الوطني في إحدى الفرص ليحذرني من مغبة الاستمرار في العمل في (ما يسمى اتحاد الطلبة، على حد تعبيره)، وأردف قائلاً:
“أنت تعلم ماكو شي اسمه اتحاد الطلبة العام.”
فقلت له: “تواً تحذرني من العمل بهذا الاتحاد، ثم تناقض نفسك وتقول ماكو شي اسمه اتحاد الطلبة، كيف ذلك؟”
تركني منزعجاً مكفهر الوجه وغادر على وجه السرعة. عرفت أنه ذهب إلى غرفة اتحادهم واستدعوني في نهاية الدوام للتحقيق. أنا تباطأت في المسير معهم لأفسح المجال أمام (هـ) و(ع. ب) كي يريا الأمر ويكون عندهما علم بالموضوع.
حذرني عناصر الاتحاد الوطني وقالوا:
“ظاهر الشاوي راح يتقاعد، وعدنان سماكة تم قبوله للدكتوراه، يعني أيضاً سيغادر المدرسة، ونحن نعرفكم واحد واحد، فإما أن تترك هذه الأمور وإلا فالعواقب لن تكون لصالحك ولا لصالح حزبكم… الخ.”
- أي حزب؟
• أنتم الشيوعيون. - اتحاد الطلبة ليس للشيوعيين فقط.
وبصوت مرتفع:
• اسمع، لا تتفلسف علينا. ترى إذا شدينا عليك وعلى جماعتك، والله لا تقوم لكم قائمة.
وبعد مناورات دامت حوالي ساعة، تركت غرفتهم وغادرت المدرسة ورجعت إلى البيت. وبعد حوالي ساعتين، وحين حل الظلام، سمعت طرقاً على الباب الخارجي…
(يتبع)








