أسامة عبد الكريم
الثقافة ليست ترفاً، بل أساس الحياة اليومية، فهي تشمل النشاطات الروتينية والمعتقدات، وتشكل الرابط الحيوي بين الأفراد ومجتمعاتهم، وتفتح آفاق الحرية والإبداع والفهم المتبادل. حرمان المثقف من الموارد والدعم ليس مجرد إهمال شخصي، بل مؤشر على هشاشة المجتمع نفسه، إذ تمنح الثقافة الأفراد القدرة على النقد والمساءلة وبناء وعي جماعي مستقل. بعد العام 2003، لم تولِ الحكومات المتعاقبة أي اهتمام حقيقي بدعم المثقف أو المؤسسات الثقافية والتعليمية، بل قلصت التمويل وفرضت الرقابة على النشر، وتعرضت دور النشر للترهيب والمساومة، ما حول المثقف إلى هامش اجتماعي وفكري، وحوّل الثقافة من فضاء عام حي إلى سلعة خاضعة لتوزيع السلطة والنفوذ. أصبح المثقف محاصراً بين الفساد والإقصاء السياسي، فيما تتآكل قدرة المجتمع على الحفاظ على ذاكرته الجماعية وقدرته على مساءلة الحاضر وصناعة المستقبل.
في مواجهة هذا الواقع، تصبح المشاركة الفردية والجماعية ضرورة لحماية الثقافة. حضور الفعاليات الفنية والثقافية، ودعم المقاهي الثقافية والمنظمات المحلية، وقراءة الكتب ومشاهدة الأفلام، والتطوع أو التبرع للمنظمات الثقافية ليست مجرد نشاطات ترفيهية، بل أدوات تحصين المجتمع ضد استلاب الثقافة وتقويض دورها الاجتماعي. التعليم في المدارس والجامعات يظل حجر الزاوية لبناء وعي نقدي وإبداعي لدى الشباب، وتقليص البرامج الفنية والإنسانية يهدد مستقبل التفكير النقدي ويجعل المجتمع أكثر هشاشة أمام الضغوط الاقتصادية والسياسية. إن الثقافة لا يمكن أن تُستعاد بمجرد توفير المقتنيات أو إقامة المعارض، بل من خلال تمكين المجتمع من المشاركة الفاعلة في إنتاجها واستقبالها، ومنح الشباب القدرة على التفاعل مع المعرفة والفن كجزء من حياتهم اليومية.
لا يمكن إغفال الدور النقابي والمهني للمثقف، الذي يجب أن يوفر له الحماية من الابتزاز، ويضمن السكن والرواتب العادلة، ويحفظ استقلالية إنتاجه الفكري. هذه الحماية ضرورية ليتمكن المثقف من ممارسة دوره في المجتمع بحرية واستقلالية، بعيداً عن الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تحوله إلى مجرد موظف أو سلعة ثقافية. كتب لي صديق عراقي، فضّل ألّا أذكر اسمه، عن تجربته المريرة مع النشر في الصحف والمجلات الثقافية، وعن تآكل الدور النقابي الذي كان من المفترض أن يحمي كرامة المثقف. فقد أصبحت الصحافة الثقافية خرائط محاصصة؛ صفحات محسوبة على تيارات وحزبية معينة، فيما أصبح المثقف الحقيقي هامشياً في صراع النفوذ، بينما المتنفذين في السلطة يتصفح الجميع الجرائد من غرف دافئة ومكاتب محمية. كما تطرق صديقي بعتب مبطن عن وصول الصحافة اليسارية العراقية إلى لندن في التسعينيات، احتكرت عدداً من الصحف العربية تمثيل الصوت العراقي، وفرضت ضغوطاً مباشرة وغير مباشرة على رؤساء التحرير لعزل الصحفيين المستقلين واستبدالهم بمحسوبين، ما عمّق الفجوة بين المثقف المنتمي تنظيمياً ونظيره اللامنتمي، رغم الوحدة الوطنية والموقف العام الموحد ضد النظام البائد.
المثقف، سواء أكان في الداخل أم في المهجر، يمضي سنواته وهو يكتب بلا أجر، محاصراً. بضغط المعيشة، ومع تقدّم العمر تتزاحم همومه بين كلفة الدواء ولقمة العيش. تتآكل طاقته بصمت، فيما يُطالَب بالاستمرار في العطاء بوصفه واجباً أخلاقياً لا حقاً اجتماعياً. لا يجوز اختزال العمل الفكري في تضحية فردية أو رسالة مجانية تقدَّم خارج شروط العيش الكريم، فالكتابة دون مقابل ليست فضيلة، بل شكل مقنّع من أشكال استغلال العمل الرمزي، يبقي المثقف في دائرة الهشاشة الدائمة. المطلوب هو نقل الفعل الثقافي من خانة الإيثار المعزول إلى موقع الوظيفة الاجتماعية المعترف بها، حيث يصبح الفكر قيمة عامة تستحق الحماية والدعم. العلاقات الجيدة مع الصحافة العربية قد تفتح أبواباً للنشر والظهور، لكنها غالباً مشروطة ببنى أيديولوجية واقتصادية تحدد سقوف القول واتجاهاته، ومن هنا يصبح الحفاظ على مسافة نقدية واضحة بين المثقف والمنابر الإعلامية ضرورة أساسية لمنع تسييس أو استهلاك الخطاب الثقافي.
الفكر النقدي لا يعيش في فراغ، والمثقف لا يمكن أن يستمر بالكتابة والحوار إذا غاب عنه الحد الأدنى من العيش الكريم. العمل المادي والاستقلالية ليست تراجعاً عن دوره، بل شرط لبقاء الفكر حيّاً وحقيقياً. المجتمع الذي لا يصون مثقفيه يفرط في ذاكرته، ويعجز عن مساءلة الحاضر وصناعة المستقبل. وفي قلب هذا الصراع بين العمل والعوز، يبقى السؤال: هل سيظل المثقف ضحية للهشاشة أم سيجد لنفسه مساحة تحفظ كرامته وتمنح إنتاجه قوة وصلابة، ويحول الثقافة من سلعة هامشية إلى عامل حيّ يربط المجتمع بالماضي ويضمن مستقبله الفكري؟







