هدى الشمري
لم يكن الفن يوماً مجرد ترفٍ بصري أو سمعي، بل شكّل عبر التاريخ لغةً للتعبير الإنساني، ووسيلة لفهم الذات والعالم، وحاملاً لقيم جمالية وفكرية تتجاوز حدود اللحظة. غير أن المشهد الفني المعاصر يقف اليوم عند مفترق طرق واضح، حيث يتجاذبه سؤال جوهري: هل الفن رسالة تهدف إلى الإضاءة والتأثير، أم سلعة تخضع لمنطق السوق والربح؟ وبين هذين القطبين تتشكل ملامح الإبداع الحديث.
لطالما ارتبط الفن بالرسالة، سواء كانت اجتماعية، أو إنسانية، أو جمالية خالصة. فالفنان لم يكن ناقلاً للواقع فحسب، بل ناقداً له، ومُعيدَ تشكيله عبر رؤيته الخاصة. اللوحة، والمسرحية، والقصيدة، والمقطوعة الموسيقية، كلها كانت تحمل موقفاً، حتى حين تتجنب المباشرة. الرسالة هنا لا تعني الوعظ، بل طرح الأسئلة، وكشف التناقضات، ومنح المتلقي مساحة للتأمل.
غير أن التحولات الاقتصادية والإعلامية التي شهدها العالم غيّرت موقع الفن من الفضاء الثقافي إلى السوق. أصبح الإنتاج الفني جزءاً من صناعة واسعة، تُدار بقوانين العرض والطلب، وتُقاس قيمته غالباً بعدد المشاهدات، أو حجم الإيرادات، أو سرعة الانتشار. وفي هذا السياق، لم يعد السؤال: ماذا يقول العمل الفني؟ بل: كم سيبيع؟ ومن سيشاهده؟ وكيف يمكن تسويقه؟
وسائل الإعلام والمنصات الرقمية لعبت دوراً حاسماً في هذا التحول. فالإيقاع السريع، والمنافسة الشديدة على انتباه الجمهور، دفعت كثيراً من المنتجين إلى تفضيل الأعمال السهلة الاستهلاك، السريعة التأثير، والقابلة للتداول. ومع الوقت، أصبح النجاح التجاري معياراً أساسياً للحكم على قيمة العمل، حتى وإن افتقر إلى العمق أو التجديد.
هذا الواقع وضع الفنان أمام معادلة صعبة. فالفنان الذي يتمسك برسالته قد يجد نفسه على هامش السوق، محدود الانتشار، ضعيف الدعم. وفي المقابل، فإن الانخراط الكامل في منطق السوق قد يفرض تنازلات فنية، تمس جوهر الإبداع، وتحوّل الفن إلى منتج استهلاكي يخضع للذوق السائد بدل أن يسهم في تشكيله. وهنا يبرز السؤال عن حدود التكيّف المشروع، وخطر الذوبان الكامل.
غير أن اختزال العلاقة بين الفن والسوق في صراع ثنائي قد يكون تبسيطاً مخلاً. فالسوق، في حد ذاته، ليس شراً مطلقاً، كما أن الرسالة لا تعني بالضرورة التعالي أو الانفصال عن الجمهور. المشكلة لا تكمن في وصول الفن إلى الناس، بل في فقدانه لصدقه أثناء هذا الوصول. فالفن القادر على الجمع بين الجودة والانتشار هو الذي يحافظ على رسالته دون أن يعادي جمهوره.
في هذا السياق، تتحمل المؤسسات الثقافية مسؤولية كبيرة. فدعم الأعمال الجادة، وتوفير منصات عرض عادلة، وتشجيع التجريب، كلها عوامل تسهم في خلق توازن صحي بين الرسالة والسوق. كما أن دور النقد الفني يصبح أكثر أهمية، بوصفه أداة لتوجيه الذائقة، لا لمجاراة السائد فقط.
الجمهور بدوره ليس متلقياً سلبياً. فاختياراته، وتفاعله، واستعداده لمنح الوقت لأعمال أعمق، كلها تؤثر في اتجاه السوق نفسه. حين يطالب الجمهور بمحتوى أفضل، ويكافئ الجودة، يضطر المنتجون إلى إعادة النظر في معاييرهم. الذائقة العامة لا تتشكل من الأعلى فقط، بل من التفاعل المستمر بين العرض والطلب.
في النهاية، يبقى الفن مساحة حرة بطبيعته، لا يمكن اختزاله في وظيفة واحدة. فهو رسالة حين يضيء، وسلعة حين يُباع، لكن قيمته الحقيقية تكمن في قدرته على الموازنة بين الاثنين. الفن الذي ينسى رسالته يفقد روحه، والفن الذي يرفض التواصل مع واقعه يفقد تأثيره. وبين هذا وذاك، تتجدد مسؤولية الفنان، والمؤسسة، والجمهور، في حماية المعنى دون إنكار شروط العصر.
فالسؤال ليس: هل ينتصر الفن للرسالة أم للسوق؟ بل: كيف يمكن للفن أن يحافظ على صدقه، وهو يعبر سوقاً لا يعترف إلا بما يُرى ويُباع؟







