نعيم عبد مهلهل
الجزء الثاني
أستعين بجدي وحكايته ، وكل ما اتصوره الآن عن أفتراض الحلم في حياتنا بعد عصور التعب والفقر والموت في ساحات الحروب .اتخيل الفردوس مبعثرا هواجسه وصوره ومختلطا مع الواقع الغريب للمدينة التي صنعتها اساطير الموت والانبعات والنوم عريا على وسائد الآلهة. دلمون في المساء الألماني تبدأ خيالها في مدينة ترى وآخرى لاترى .مدينة لم يحفر في هاجسها ايتاليو كالفينو ولا أبن بطوطة او كولمبس.بل أنا حملت موهبتي وتواضعي لتحدث لكم عن حكايتها مع وجودها المبتلى بهاجس أن هناك جنة تنتظر المعذبين في المنابع البعيدة وأسمها : فردوس دلمون. ليس في الفردوس مفاتيح لأقفال نضع فيها أسرارنا وحلي الذهب وأموال ورثناها من عرق الجبين . و ليس في الفردوس ما يغلق ، انه عالم الأبد المفتوح الأذرع ومتى فكرتَ باقتناء دولاراً واحداً سيعطونك جوازاً أمريكياً وتعود إلى بيت الدبابة . في دلمون كل شيء يهون إلا فراق أم حيث المدى الأخضر وطواويس بأذيال مشعة كبريق نجم في ليل هادئ وحيث الحانات التي نكرعُ فيها ذكريات حبيبتنا الأرض يفكرُ الرجل الصالح بأزل لاينتهِ وبفطرة بشرٍ طيب يتذكر حبوب صداع الرأس ، فهنا بتاتاً أن تمرضْ وتقول آه من الألم الذي يأتي من البضائع المحظورة ومن يشتريها مهرباً الشعراء فقط أتذكر الأمس ، الأمس الذي لم يعُدْ ممكناً الرجوع إليه .( وهوية اللجوء / الأوزفايس الأخضر في جيبي ) الغد هو ما ينتظرنا والصباح المطعم بهدير شلالات الحليب وموسيقى عصافير اللبلاب لأتذكر أمسَ الحُفاة والعراة والتبغ اللف وأغنية أنت عمري حيث فتشت عن ملحنها ولم أجده ، الذي شاهدته فقط رجلا ببدلة الأفندية قالوا انه أول صاحب كاميرة شمسية في أور . وأمامه جلس مرحا رئيس بعثة التنقيب الاثرية في مدينة اور ليلتقط له صورة ذكرى مدينة كل احلامها ان تكون في الليل فصلا لغرام يمحي كل تناقضات النهار وشقاءه . الفردوسُ ليس حديقة ملك وليس إسطبلاً لخيول شاه الشطرنج ولن يكون كازينوهات مونت كارلو وحدائق القصر الصيني وجنائن بابل ، أنه مكان الروح التي فقدت متعة الحياة بسبب الحظ والجغرافيا لهذا كل من يشم زهرة من زهوره يتعلم عشر لغات جديدة ، وكل طغاة الأرض مطرودين من الجنة إلا طُغاة السرير في أول ليلة حب . من الشوق إلى الفوق سافر فقراء سومر ومازالوا يخافون ظل الملوك . فأتذكر المطر الذي يغسل خد الحقل بأصابعهِ الباردة ، أتذكر الطين والنعل الجلد والسعال الذي يشبه رعد محيط من القراصنة ، فيما واحدة خلف الشباك تشعل عينيها حطباً وأنا أتأمل سحر الأفلام الايطالية وأقول لها : خذيني إلى روما لكن الحرب أخذتني إليها ، فلم أجد سوى ملائكة ولدوا دون أمم وقارات وبطاقة أحوال مدنية ، وعندما أردت مطراً وطيناً ونعلاً جلدياً أعطوني حصاناً من الذهب وسماء تمطرُ منها العصافير ، عندها أيقنت أن للحروب جنة وللسينما خداع البصر . فبين الجنة والحنة نقطة واحدة ، هذه النقطة هي من صنعتْ ضفائرَ النساء في فردوس السماء الممتدة كساحل نهر في قلب العاشق ، هناك سحنة الوجوه واحدة ، لا زنوج ، لا هندي أحمر ، لا أشقر ، لا حنطي من أهل البصرة ـ الوجوه التي تهل بعافية الجمال وتشع بالنظرة والمرايا وشعاعا من عطر الرمش الأزرق ، ألوانها صفاء العين وماء برتقال الشفاه والخد الناعم كياقوت خاتم . تلك الوجوه لا تعرف الكحل والمشط وفرشاة الأسنان . مشرقة دائماً مادامَ في نظرتها الساحرة لاتعرف التمييز العنصري حيث لاينبض قلب إلا ومعهُ آهٍ من أم .





