حبيب فياض
بات على اللبنانيين التعايش مع الواقع المأزوم الذي تعيشه البلاد بعيدا عن الرهان على حلول تأتي من الخارج، أو تفاهمات يتم التوصل اليها في الداخل، ذلك أن ثمة تقاطعا بين الحسابات الاقليمية والتعقيدات المحلية تقضي بإبقاء لبنان ضمن دائرة الاضطراب وعدم الاستقرار الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. فالملف اللبناني ليس على اجندة الحوار بين طهران وواشنطن. جل ما هو مأمول في هذا الحوار الوصول الى تفاهم اولي حول ملف ايران النووي، وايجاد اطار سلمي للأزمة السورية. على ان لكل من الجانبين حساباته الخاصة في استبعاد لبنان عن طاولة المفاوضات. في الحسابات الاميركية، ليس للبنان موقع الأولوية والصدارة على لائحة الأزمات المستعجلة. كما ان لبنان سيظل تحت الوصاية السعودية بتفويض اميركي كترضية للمملكة على غضبها من التقارب بين واشنطن وطهران، وانزعاجها من الطريقة الاميركية في مقاربة الأزمة السورية. بالمقابل، فان ايران لا تشعر بالقلق إزاء الوضع في لبنان نظرا لقوة «حزب الله» وقدرته منفردا على مواجهة التحديات والتهديدات المحتملة. ما تقدم لا ينفي حقيقة استمرار الرهان السعودي على وصول الحوار الايراني الاميركي الى طريق مسدود، ولا يتعارض مع الرؤية القائلة بأن حسابات المملكة ستظل قائمة على ابقاء الساحة اللبنانية لصيقة، توترا واضطرابا بالأزمة السورية، خاصة أن زيارة وزير الخارجية الاميركي كيري الى السعودية، على ما يقول مراقبون، قد أدت الى تجميل الخلافات بين واشنطن والرياض من دون ان تؤدي الى معالجتها بالعمق. وبالعودة الى مسار الاحداث على مدى الشهور الماضية، تتكشف أهمية الساحة اللبنانية في حسابات الرياض كورقة أساسية في لحظة مأزومة كالتي تعيشها حاليا. وبالتالي، فإن ابقاء لبنان في حال من الشلل وصولا الى الفراغ يعبر عن وضعية مثالية تريدها المملكة لتساعدها على توظيف الامكانات اللبنانية في خدمة الأزمة السورية. وأساسا، لا يخفى على أحد ان استقالة الرئيس ميقاتي من الحكومة قد جاءت بضغط من الرياض لتمهد الطريق بشكل مدروس نحو الفراغ المرتقب. فكان البديل من ذلك تكليف الرئيس سلام بتدبير سعودي أيضا بوصفه الشخصية النموذجية العاجزة عن تشكيل الحكومة وتكريس نظرية الفراغ. يصاحب ذلك اصرار المملكة على سياستها المتقاطعة مع الرؤية الاميركية بالعمل على عزل «حزب الله» وعدم اشراكه في الحكومة تشفيا منه على دوره الذي قلب الموازين في الأزمة السورية. الى ذلك، جاء التقارب الاميركي الايراني ليشكل «مصيبة» جامعة بين الرياض وتل ابيب. تخوف الجانبين من هذا التقارب دفع بهما الى الانتقال من التلاقي الضمني الى التقارب العلني، ومن التقاطع في الرؤية الى الشراكة الاستراتيجية. فكلاهما صديق لأميركا ومتذمر منها. وهما يشتركان في العداء للثالوث الايراني السوري «الحزب اللهي». فيما لا يلحظ أي تباين بين الجانبين حول أي مسألة، خاصة في ظل غياب القضية الفلسطينية بالكامل عن الأجندة السعودية. إضافة الى أن كليهما يجد في الساحة اللبنانية هامشا واسعا لخربطة المسار الأميركي على خطي طهران ودمشق. وكما ان المملكة تلعب دور التشويش على الحزب سياسيا وجره الى الفتنة المذهبية ودفعه الى مواجهة مع التكفيريين، فإن اسرائيل معنية أيضا بالتصعيد والتوتير على جبهة لبنان الجنوبية للتخفيف من فاعلية «حزب الله» على مسار الأزمة السورية. الاجراءات الاسرائيلية التجسسية على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة تأتي في هذا السياق، وصولا الى استعداد تل ابيب لفتح الجبهة فعليا اذا اقتضت الضرورة . يبدو «حزب الله» هذه المرة مختلفا. تهديده بالخروج من الدفاع الى الهجوم يعني ببساطة استعداده لتعديل قواعد اللعبة، في وقت لم يتردد خصومه في محاربته بكل الاوراق المتاحة لديهم وتجاوزهم لكل الخطوط الحمراء.





