حازم لعيبي
بين العشيرة الاجتماعية و وسائل التواصل الاجتماعي “افتراقات” كثيرة ، يبدو ان الرابط الوحيد بينهما ما هو الا إجتماعي . العشيرة كيان ” اجتماعي” ضارب في القِدَم نسبياً تنظم علاقات الأفراد المنحدرين من نفس النسل أو الذرية العائلية وبمستويات مختلفة ، أما وسائل الاتصال ” الاجتماعي ” عبارة عن خدمات إلكترونية ظهرت خلال السنوات الأخيرة و (بطفرات سريعة) لتكوين الصداقات و لتبادل المعلومات و الخبرات عبر الشبكة العنكبوتية ، و بسبب السهولة و اليسر صار بإمكان الجميع استخدامها ، لتختزل المسافات و يصير العالم عبارة عن قرية صغيرة .
عالم افتراضي اجتماعي يقابله واقع اجتماعي فعلي ، كلاهما ننتمي اليه ، بالاضافة الى ذلك نرتبط من خلالهما بعلاقات سواء افتراضية او بايولوجية . قبل سنوات تمكنت تكنولوجيا الحاسبات من الدخول الى المجتمع العراقي و دخلت معها وسائل التواصل الاجتماعي و بدأت أعداد المستخدمين يزداد و بالأخص في التوييتر و الفيسبوك ( أفرادا او مجاميع ) ، في نفس الوقت نشط العمل العشائري و توجه الكثير صوب العشيرة و ساهم في نشاطاتها و واجباتها العامة و الخاصة . و لعبت دورا ناجحاً في حماية الفرد من الإخطار المحيطة به ، أضف لذلك يشارك الفرد مع المجموع بادوار عشائرية اجتماعية من خلال قوانين شفاهية متفق عليها و تحكم الجميع ، و يلعب الشيوخ الأدوار الجوهرية في قيادة المجاميع العائلية ، و تقع على عاتق الشيخ واجبات الحماية و التواصل و بقاء العائلة الكبيرة على مستوى متوازن مقابل حصوله على مكانة اجتماعية رفيعة . ما الكيفية التي تمكن المنظومة العشيرية على لعب نفس الدور الاجتماعي الآن او مستقبلاً و كيف ستبقى متماسكة و قوية . وهل ستظهر قوة جديدة تلعب أدواراً أكبر “قليلاً او كثيراً” على المستوى الاجتماعي.
يبدو أن الشارع العراقي الآن يتجه نحو إحدى او كلا الجماعتين “التقليدية” متمثلة بالعشيرة الاجتماعية ، و”الألكترونية” متمثلة بوسائل التواصل الاجتماعي ، في القريب العاجل نرجح نشوء صراع ثقافي و واقعي بين قوة العشيرة و وسائل الاتصال ، قد يكون العمل و التواصل في كليهما مقبول في الوقت الراهن ، و لا يدعو للتخوف من الآنوجاد كعضو فاعل في الفيسبوك (مثلاً) أو كفرد ينتمي الى عشيرة . في الواقع الفعلي كما في الواقع الافتراضي هنالك قوة او فاعلية غير محسومة لحد هذه اللحظة ، الانحياز لإحداهما دون التحقق من محاسن و مساوئ هذه او تلك سؤال غاية الأهمية ، نحن مثل آخرين سنذهب الى إن الزمن سيكون كفيلا برجحان احدى الكفتين .
في حين يرى بعض المهتمين “ممن يتأخر باتخاذ القرار” ان التويتر و الفيسبوك لا يدعو الى قيم التآلف الاجتماعي المعروفة لا بل يستهين بالموروث الثقافي و الإنساني بين أفراد المجتمع . و يتحدث البعض عن تأثير سلبي على سلوك مستخدم الإنترنت . و السؤال ما شكل التعارض الاجتماعي و خطورته على تقاليد و أعراف الفرد “مستخدم التكنولوجيا الحديثة على العموم” داخل المجتمع؟ و ما الضرر من استخدام الإنترنت من الوجهة الاجتماعية ؟، و لِمَ التخوف (حسب البعض الآخر) رغم الأهمية الافتراضية و الوفرة المعلوماتية و الأشكال الجديدة من العلاقات و أثرها المقبول في سلوك المجموعة ، و تعددها و تنوعها و بالتالي تأثيرها النامي على حساب الأشكال الاجتماعية العشائرية. أسئلة يجد لها اجوبة مقبولة مستخدمو الانترنيت في زمن الآي فون و الآي پاد ، زمن “الضغط على مفتاح واحد” ، زمن القفزات الكبيرة في مجال علوم التكنولوجيا و الكمبيوتريات ، يدفعنا الى الاشارة للشكل الجديد من العلاقات الاجتماعية و تعدد مستويات الاختيار و عدم اقتصارها على البايولوجي ، و هو شكل متحول و متغير قد يبتدئ بصداقات افتراضية تقتصر على أفراد من العائلة و مجموعة من الأصدقاء و بعض من الأقارب لينتهي بعد فترة الى مجاميع ذات توجهات مختلفة .
و من خلال التواجد الافتراضي ساعات أمام شاشة الكومبيوتر بشكليه الفعّال او التلصصي كل حسب صداقاته يقوم متواصلو العشيرة الإلكترونية بعرض اهتمامات او مشاركات سواء خاصة او عامة ، كلامية ، صورية ، او فيديوية قد تدفع الى تعليقات توافقية او اعتراضية بعضها اشكالية تدفع الى تفاعل او إعجاب وبعضها بالعكس ، مشاريع وجودية و أخلاقية صغيرة أم كبيرة ، هموم عامة تشكل الجو العام الافتراضي الذي قد يعوض عن واقع اجتماعي قائم ، مجتمع بديل ينافس العشيرة ، رغم ان العشيرة في عراق اليوم تعد المحرك المقبول اجتماعياً و تبدو ظاهريا تمتلك نوع من التماسك و الممارسة ، رغم غياب الادوارالثقافية او السياسية او المعرفية و عدم معرفتنا عن أشياء وظيفية قريبة من ذلك ، ما زالت اعمال العشيرة وفق ذلك غير ناضجة وغير واضحة الملامح وغير قابلة للتطور ، و يمكننا ان نضعها في “خانة” السكون . و السؤال هل ستتمكن وسائل التواصل الاجتماعي ان تتحول الى عشيرة افتراضية؟ وكيف تفعّل الأدوار وظيفياً و فعلياً و هل هناك أرجحية غير تلك التي نعرفها عن العشيرة البايولوجية المتعارضة مع القوانين المدنية ، إمكانية تجاوز المرجعية العشائرية يتطلب شكل حتى و ان كان افتراضي ، لكنه قادر على الدفاع عن الأفراد و الوقوف الى جانبهم في حالة تعرضهم الى أية مشكلة وهذا ما نشهد عليه من خلال مراقبتنا اليومية لنشاطات داخل الفيسبوك قد تصل الى نوع من الحملات و التظاهرات المجدية و الفاعلة في أحيان كثيرة وهنالك أمثلة كثيرة على ذلك .
وسائل الاتصال الاجتماعي كالفيسبوك و التويتر قد تتحول الى ما يشبه العائلة او العشيرة و من ثم الى مجتمع بديل عن العائلة البايولوجية ، و من عالم افتراضي الى عالم واقعي ، واقع بعض أشكال العلاقات الاجتماعية التي من الممكن ازاحته ليستبدل الشكل القديم بشكل جديد ، و قد تزاح الاشكال التواصلية الاجتماعية القديمة بعلاقات أسهل و أنضج و مختلطة ، و الأهم هناك حرية غير مشروطة في تداول المعلومات و كذلك غير عاطفية بافتراض أن الآنوجاد الفعلي او الجسدي غير متوافر لذا سيبعد اي احتقان او انفعال في طرح القضايا و المجادلات سيستبعد بشكل واقعي اي نوع من أن تتحول الجدالات الى معارك .
العشيرة منظومة اجتماعية محركة بقوانين مجتمعية متعارف عليها تتعارض قليلا او كثيرا مع شكل الدولة المدنية الحديثة بلا قوانين مدونة وكما هو معروف فالعرف الاجتماعي شفاهي أي متعارف عليه ، قبول نسبة كبيرة من الشارع العراقي بهذا المجتمع المتواجد و غير الافتراضي و الأكثر فاعلية من مرتبطات أفتراضية . رغم انها تعتمد أدوات اتصالية بدائية و متخلفة و تحكمها قوانين غير مقبولة حتى من قبل الدين كونها تدار بقوانين قبلية.
نعم هنالك تحول في كثير من المجتمعات لتلقي المعلومة و الخبر وكل وسائل الاتصال و التواصل سهلة و غير مكلفة في البيت في المقهى في الشارع في العمل في المطبخ في الصالة في غرفة النوم جالسا او متمددا على كرسي او تتمرجح لكنها تكرس للإفتراض و قوة الحذف: أن التواصل عبر الفيسبوك و التوييتر غير حي لكنه قد يصير مؤثراً و فعالاً “ادماني” .
أن العشيرة الاجتماعية لا تنمو حتى ببطء ، ووسائل التواصل الاجتماعي تتوسع و تدخل غرف النوم.





