عدنان الفضلي
حتى في جوهر الاشياء ليست ثمة حقيقة متكاملة، وليس هنالك اكتمال في كل زوايا ومفاصل الحياة.. الجامدة منها او المتحركة، وعليه كان الرأي التوافقي غير موجود على ارض الواقع، بغض النظر عن التشابه الموجود في بعض الرؤى والمفردات.
وفي مجال الحرية وقراءة مفرداتها وارتكازاتها والثيم التي تأسست عليها، نلاحظ ان لا اجماع توافقيَّ على شرح الديمقراطية شرحا وافيا، بل ان هنالك مجموعة تصورات جمعت من هنا وهناك، راوغت الواقع البيئي والاجتماعي والديني، واتت ببعض مفردات.. دقّت كأسفين بين ما اعتاده الناس وبين التطلعات والطموحات، وبالتالي كان التفاوت واضحا في مدى تطبيق تلك التصورات.
هذا الموضوع موجود على طاولة الغرب الذين سبقونا يقرون في مجال التشريعات الديمقراطية التي تكفلت بايجاد مايمكن تسميته بالاستقرار القانوني.
بمعنى انهم (الغرب) وعلى الرغم من كل هذه المسافة التي قطعوها في مجال الديمقراطية وحقوق الانسان، الا انهم وحتى هذه اللحظة لم يصلوا الى تطبيق كامل لتلك التجربة، بدليل الكثير من الاخطاء والهفوات التي وقعوا فيها، والانتهاكات المعلنة او المخفية التي لاحت بوادرها بعد ثورة الوعي التي اجتاحت العالم عقب اندلاع ثورة المعلومات والتكنولوجيا.
ومناسبة هذا الحديث هو محاولة لايجاد مقارنة بين تجربة الديمقراطية الموجودة في دول المجتمع الغربي، وبين تجربتنا العراقية المولودة حديثا، هذه التجربة التي ربما يمكن وصفها بأنها اتت على عجالة، ليس من باب الوقت، لكن من باب التوقيت المسبق، وبالتالي كان مستوى تلقيها متفاوتا بين شريحة واخرى. فاذا كنا نتحدث عن وجود اخطاء وهفوات لدى من كان لهم باع طويل في مجال تطبيق الديمقراطية، فعلى ماذا يمكننا ان نرتكز في خطواتنا الاولى، نحو هذه التجربة؟ ونحن الذين دخلناها مهرولين، دون الالتفات لما قد نصطدم به من معوقات او عراقيل تتسبب بها قلة خبرتنا في معرفة الممرات السالكة من المغلقة. واظن ان عشر سنوات كانت كافية لاكتشاف اننا اخطأنا كثيرا في ولوج تلك الممرات، وخصوصا في مجال الحرية الاعلامية التي نتبنى نحن رفع شعارات ديمقراطيتها ونتصدى لكل ما من شأنه ان يثبت الاسس الحقيقية القوية، ونضعه في القلب والعقل ومن ثم نوظفه في خدمة هذا المجال المهم في النسيج الحياتي اليومي، الذي ينظر له الاخر على انه المرآة. ولعل ابرز تلك الاخطاء التي وقع فيها اهل الاعلام هي قراءتهم للديمقراطية والحرية المتاحة على انها السماح المطلق بقول كل شيء يخطر بالبال، وتدوين اي مفردة تومض في علبة الكلام القابل للرفض. فالبعض يرى انه يمتلك الحق في السب والشتم ضد الاخر الذي يراه قد ارتكب خطأ او دخل في محظور ما، والبعض الاخر سمح لنفسه ومن باب الحرية ان يكون سياسيا واقتصاديا واديبا ورياضيا في حين ان تجربته لم تتعد كتابة بضعة سطور، عدل فيها محرر آخر واضاف لها المصحح اللغوي لمسات اخرى لتخرج الى الناس. كل هذه الاخطاء وغيرها تدل على اننا مازلنا نحتاج للكثير من القراءة والتجارب لنصل الى شاطئ الديمقراطية الحقة، مع ارفاق الطموح وطلب المزيد الى حافظة التطلعات التي نحملها. وحتى نخرج بحصيلة لما نذهب اليه، علينا اولا التسلح بالصبر، وعدم التذمر من الفشل في التجارب الابتدائية، فانا ومن وجهة نظري الشخصية اقول- ان من يحصل على درجة (صفر) في السعي السنوي، قادر على التعويض والنجاح حين يكون مصرا على ذلك النجاح. فكل التجارب نقول ان السير بخطى واثقة، حتى وان كانت بطيئة- هي الموّصل الحقيقي لنهاية المطاف السعيد خصوصاً وان المثقف يمتلك ادوات أكثر من السياسي وعوام الناس. وعلينا ايضا ان ننظر الى وطننا ايضا. كونه خارجا من عملية جراحية كبيرة وخطيرة، وهنا لايمكن لنا ان نقول له وهو بتلك الحال- ان اركض الان.. حينها سنكون قد اودينا به الى تهلكة حقيقية..!!





