حسين الذكر
برغم ما اكتنف واحاط وحاصر العراقيين من دكتاتورية وظلم وعدوان واحتلال وحروب وفساد وارهاب وحصار وازمات وعمليات عسكرية .. وغير ذلك الكثير مما يشيب له راس الوليد ، الا ان الشارع العراقي ما زال نابضا بالحب والتعاون والايثار والتضحية والصبر والصمود بكل معاني الكلمات التي قل نظيرها في مجتمعات خلت وما زالت ، وذلك ليس من قبيل العواطف والشعارات الرنانة والمثالية الفارغة ، بل انها نماذج تتجسد على ارض الواقع ، بكل صراحة واريحية وثقة (وعلى السجية والنية السليمة ) ، بعيدا عن اولئك الوصوليين المتملقين الانتهازيين الشعاريين .. بكل زمان ومكان .. ، وغيرهم مما نغص علينا حتى ديمقراطيتنا المنتظرة . قبل ايام كنت مستقلا سيارة اجرة وكعادتي في كل مرة وبفضول صحفي ابدا اوجه اسئلة اجتماعية متنوعة متعددة للسائق ، لغرض الاطلاع والاستماع الى قصص مختلفة يجيش بها الصدر والواقع العراقي اليومي ، برغم قصص الموت والدمار والفساد والرشوة والتهديد والوعيد وما ازدحم في الضمير والذاكرة حد الاه والدمعة واللوعة ، الا ان قصص ونماذج كثيرة تحيي الموتى وتعيد الامل والاخضرار والحياة للعراقيين الطيبين المنتظرين لامل مشرق ومستقبل واعد ، نسال الله ان يتحقق سريعا ولا يطول انتظاره . ابو علي سائق تكسي ، رجل مسن تجاوز السبعين عاما ، ليس متقاعدا ، لديه عائلة ، يعيلها من كد يده وتعبه ، بدأ بحديثه معي ، قنوعا مؤمنا راضيا ، برغم التعب ومسحة الحزن المرافقة لكلماته ، حينما سالته لماذا انت بلا تقاعد وكيف تعيش ، قال : ( مستورة والحمد لله ، كنت اعمل منذ السبيعنيات في شركة ، لتصليح المولدات الكبيرة ، صاحبها عراقي هندي الاصل ، رافقته اكثر من ثلاثين عاما ، بعد الاحتلال هربت مع عائلتي جراء الحرب والقصف الى مدينة طويريج ، حيث استاجرت بيتا ، رخيصا ووجدت عملا بسيطا يكفي الحال ، بعد ان فقدت صاحب الشركة الذي سافر ، وقد عاد بعد سنتين واتصل بي وعندما شاهدته قال بانه سيغادر العراق بلا رجعة ، وقد ارسل الي و اشترى دارا صغيرة (150) م وسجلها باسمي قبل ان يرحل قائلا : ( لقد تعبت معي ورافقتني بحسن سيرة واخلاص كل هذه السنوات ، وهذه الدار اعتبرها بدل تقاعد لك ) بعد ان دفع واطمئن على تسجيل الدار ودعني بحرقة ودموع متمنيا لي ولعيالي التوفيق . سائق اخر من اهالي الكاظمية ، قال انه قصاب وقد خسر امواله منذ سنوات واضطر لبيع داره وممتلكاته ، الا سيارة صغيرة يعمل فيها سائق تكسي ، لديه خط ثابت يوصل فيه دكتورة نسائية من مقر عملها الى بيتها وبالعكس يوميا ) مقابل اجر يكفي للعيش ، واضاف : ( توفيت زوجتي قبل مدة ، بعد مرض طويل اضطرني لصرف كل ما تبقى من اموالي ، وقد اتصلت بالدكتورة، بعد ساعة من وفاة المرحومة زوجتي ، مبلغا اياها بانني لاستطيع ان اوصلها اليوم وارجو ان تبحث عن سائق غيري حتى تنتهي مراسم العزاء ، ولم تمر الا ساعات واذا بالدكتورة معي في المغتسل وقد سلمتني ظرفا فيه عشرة ملايين ، قالت هذه مصاريف الفاتحة وكل ما تحتاجه ، وانت مجاز حتى الاربعين واذا تحتاج اي شيء اتصل واطلب ولا تخجل ولا تخشى ) . قبل اسبوع فجر ارهابي سيارته في منطقة شعبية فقيرة ، وهدم دور احد المواطنين واستشهد جراؤها الزوجة وبنتها وابنها الوليد بعمر ساعات ، كما اصيب الوالد وهو في المستشفى ، وقد تهدم الدار واحترقت محتوياته ، ولم تمض على ذلك الا ايام العزاء الثلاثة ، واذا بالبيت قد هد من الاساس وبدا العمال يبنون فيه من جديد ،بافضل عدة وخريطة وهمة عالية ، لاتمامه سريعا ، فتساءلت في نفسي : (معقولة ، الحكومة ، استجابت سريعا وصرفت عاجلا ، كما ان احد المسؤولين لا يمكن ان يكون هو المبادر والمتبرع ، لاننا لم نعهد منهم هكذا مبادرات او استجابات فورية ) . اهالي المنطقة وضحوا لي قائلين : ( لقد تبرع اهل المحلات التجارية القريبة والموسورين والجوارين وحتى الفقراء ، كل حسب استطاعته ، وقد اكملوا مبلغ اعادة البناء باحلى صورة ، بساعات حطمت كل الارقام القياسية الضميرية الاستغثاية الانسانية ) .









