كتاب الحقيقة

القصيدة الحسينية غير قابلة للتلوث

كريم السيد

في السيارة, وبسبب الازدحامات الخانقة هذا اليوم, وبما أن طقسي عاشورائي على عكس الطقس الخارجي الذي لا يوحي بذلك, اضطررت لان استمع للراديو مسليا نفسي من ململة انتظار الوصول الى رجل الامن الذي سيقول لي: شايل سلاح, أطلع! لأقول له كعادتي: كَواكم الله ممنون حبيبي (رجال صاحب فضل عليه بعد)!

كان في الراديو عديد القنوات, فعزمت بالبحث عمّا يلائم الطقس, وذوقي بذلك إما القصائد التي تسمى (الكَعيديات) وهي القصائد التي لا تتضمن اللطم إنما تكون فقط بالعزاء في قراءة قصيدة من القارئ وسماع الجمهور, وهو (برأيي) افضل الوان القصيدة الحسينية على الاطلاق كونه يتعلق بملامسة الجانب الروحي للمستمع والشدّ معه يكون أكبر بعكس قصائد اللطم التي تشرد الذهن وتسوقه للتنسيق السمعي مع اللحن في نسق اللطم الموسيقي المتناغم مع كل صدر وعجز في الشعر, علاوة على ذلك فأن قراءة القصيدة الكَعيدية كانت تقرأ من كبار قراء المنبر الحسيني كالمرحوم حمزة الصغير وملا وطن النجفي وملا بشير النجفي وغيرهم ممن كان يكفي شعورك بصدقهم الذي يطغى على لون القصيدة الحسينية….هاي وين رحت؟!

نرجع لسالفتنا, أما ذوقي الآخر فهو باسمي الهوى, أي قصائد الرادود باسم الكربلائي التي تخضع لحرفية فنيّة عالية لا تجدها حتى في أفضل أعمال الإنشاد والغناء, مع الفارق طبعا!! هذا الباسم الذي لا يوازية رادود ولا مغنِ ولا غيره, هو رجل يخلق للكلمة مناخا يليق بها فينقلها من عالم الجمود لعالم الحركة والخيال في طقس سينمائي يكون بطله صوته الدافئ المتضمن لطبقات لا يجاريه فيها امهر القراء واصحاب الحرفة الصوتية.

كانت القصيدة التي سمعتها في الراديو رائعة بحق, الا ان انتباهي التقط مقطعا يقول فيه الرادود ما معناه (ان حب الحسين كافٍ لتخليصنا من الذنوب التي سجلها الله) المشكل أنني لم أكن وحدي في السيارة إنما كان معي صديق من إتجاه آخر, ولهذا بادرت برأيي عن خطأ هذه الفكرة, فالله جل وعلا حين وضع هذا النظام الجزائي الدقيق وجعل عدالته في ميزانه; كان وضع على اسس بنيت من رب لا يضيع عنده قيد النقير, وان علل تلك الجزاءات انما كانت لصلاح الانسان في الدنيا وجزائه في الاخره, اذ لا يفهم من تلك العبارة ان من يسرق طوال العام ثم يأتي ليحب الحسين فيبتسم له الملائكة وينسون سجلّه الاسود وأعماله السيئة, لان الله ببساطه ليس مؤسسة بشرية ولا انتمائية تمنح على أسس الحب والولاء, إنما على أساس العمل ونظافة القلب والسريرة لان الله ينظر للقلوب أولا قبل كل شيء.

عموما, صاحبي كان متفهما جدا, أخبرته أن بعض القصائد الحسينية لا تخضع لموازين الرقابة حتى على مستوى الحوزات العلمية والجهات الدينية وان الكلام يكون من قلم الشاعر لفم الرادود مباشرة, ثم أن الهدف هنا لا يبدو نهجا نصيّا بقدر ما هو فكرة شاعر تقبل الصحّة والخطأ, لكن حب الحسين لا يخلو من جاه عند الله الا أن حبه قرين بالسلوك والعمل أيضا, فمن يحب الحسين يتبع نهجه و يقول: يا ابن آدم كن إنسانا صالحا.

ولهذا أنا أدعو الى وضع مناهج وأسس واضحة للقراءة المنبرية كونها تعد جزءا من عقائدنا وشريكة بصناعة الرأي العام وكفيلة بأن تقلب موازين بلد بأكمله, ولهذا لا يصح أن تلوث القصيدة الحسينية بمزاج أو هوى أو عاطفة غير محسوبة…عظم الله أجوركم جميعا بمصاب سيد الحق وكبش الانسانية العظيم الحسين بن علي (عليه افضل سلام الله وصلواته).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان