كتاب الحقيقة

شيء عن مدينة العمارة

نعيم عبد مهلهل

الجزء الاول

 

قبل زمن نشرتُ في الزمان اللندنية مقالة هي في لبها مديح لواحدة من ساحرات دجلة أسمها العمارة ، وسُعدت جدا في تعليقات أبناء العمارة وبعض عراقيي الداخل والمهجر الذين لم يتسن لهم زيارتها ،ولكنهم رأوها جيدا بين طيات المديح الذي دونته تحت أجفان المدينة التي تستحق كل هذا المديح والغزل ، ليعلقوا على المقال في الأمكنة المخصصة للتعليق عندما نشرَ في مواقع إلكترونية بعد نشره في الزمان ..غير أن رسالة من مجهول حملت رابط المقال وعبارة تقول ( أشجابه للغراف طير المجرة ) ، أثارت في الرغبة للكتابة عن المدينة من قفا أخر ، عندما أحاول في هذه المرة الولوج أليها من رحمها وليس من الخاصرة كما فعلت في أول مرة ،ولكن ليس برؤية الداعر إلى ضحيته ، بل برغبة لمعرفة ما حملت هذه البطن من أجنة صنعت للتاريخ دهشته الخضراء ، وللأغنية طعما عسليا ندركُ في مذاقه قيمة آية النحل التي أرتنا ما لطيب الرحيق من فم السماء قيمة في صنع وجدان البشر وكبريائهم .والعمارة حتما من المدن التي تعرف كيف تصنع كبرياء الأبناء والأحفاد والقادمين الذين لم تنجبهم هذه البطن بعد.

( صاحب العبارة الأثرية اشجابه للغراف طير المجرة ) وقع بأسم ( الناصري ) في ذيل الرسالة وهو خبث معروف قصده ، أي أنني من أبناء مدينة الناصرية فلماذا كل هذا المديح لمدينة لم أولد فيها ..؟ولا ادري إن كان حقا هو ناصري ، أم من نتاج زبالات الثقافة والعبث والحسد .( المهم هو لا يستحق أن يكتب عنه اكثر من هذا ) لنعود إلى مدينة رغيف الشعير ، والسمك الملون ودمعة مسعود العمارتلي وهو يطلق في فضاء المدينة صدى القلب المتوجع ، فتظهر لنا حياته الغريبة ما يطلق عليه اليوم ( الجمال المثيلي ) الذي كان مباحا بحدود مجتمعية موزونة ، ولايعاب عليهم سوى في نظرة الناس الخاطفة لهم ،وكان هؤلاء وفي كل مدن الجنوب من الذين يجيدون أحياء الأعراس ، وفي رقصهم ودعابتهم وشجي صوتهم يستعيد البسطاء راحة الروح والجسد بعد عناء يوم متعب في مساطر الطين وحقول الشلب وساحات العرض العسكرية ، وحمل أكياس التمر الذي يصدره التاجر اليهودي إلى الهند بزوارق اشتراها من سكراب زوارق شركة الهند الشرقية التي كان لها خطا نهريا عامرا بين البصرة وبغداد ومن أهم محطاته مدينة العمارة.

مسعود صنع في حياته شجنا سرياليا ، لأنه اكتسب من المكان قدرته السحرية ليؤازر تحولاته ، من أنثى إلى ذكر أو بالعكس.. وبهذا التحول عاشت المدينة في وجدانه ، وعاش هو في روحها يكتسب البحة الجميلة ليخلق للسامع راحة القلب ويضيف للمصغي إليه نعاس اللحظة الفاتنة..

في الحرب لم نجد شجنا غير شجن مسعود من يبقي المدينة محتفظة ببهاء المكان ، وكانت جبهات الطيب والشيب والكحلاء ولسان عجيردة وجلات والفكة تأوي إلى نهارات المدينة لتستريح في حماماتها الشعبية ومقاهيها ، فالمدينة تصنع نزهة الخيال وبتفاؤلها العجيب ظلت تبعد شبح الموت عن أجفان الجنود ، وربما هي من المدن التي نالت مديح أناشيد الحرب كالتي كانت تقول ( ها يا أهل العمارة ..هاي اجمل ابشاره .. اليوم كلنه اجنود ..عن الحدود انذود، وعل النصر عبارة)

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان