علاء الماجد
فنان ترجم حبه للعراق بمرثيات هي عبارة عن اغاني الحزن الجنوبي ، حيث الام والزوجة ، البؤس ، الانتظار، الطفولة التي يحن اليها ويستحضرها فنيا كتعويض عن معاناة نفسية وضياع وعذاب ، من خلال حركة واقعية تعبيرية تجريدية يصوغها برؤية جمالية على مساحة اللوحة ، حيث تتراكم وتتزاحم فيها عناصره الفنية وتتكرر باصرار، ولكن باشكال مختلفة.. فنان يتمتع بقوة الادراك للون والحروفيات والمساحة وتوزيع الكتل ، للتضاد والانسجام ، للنور والعتمة ، لوحاته ممغنطة تسحبنا بحب الى الطفولة ، الى رحلات السندباد وقصص الف ليلة وليلة ، الى البداوة والصحراء ، الى الجنوب بنخيله ومياهه ، الى رموز شعبية مألوفة في حياتنا ، طيور وعصافير وديكة وخيول ، تعويذات وطلاسم وأهلة ، بسط شعبية وملابس نسائية ملونة ومزركشة ، كل ذلك ، بمثابة صرخات احتجاج بوجه الظلم ، المرض ، الفقر ، هذا الثالوث الذي دمر العراق سنوات طويلة ، ان هذه السرديات والقصائد التي تتجسد في تشكيلات لونية موسيقية رائعة ، صنعتها انامل الفنان التشكيلي المبدع عبد الرحمن الساعدي الذي ولد في مدينة الكاظمية عام 1963واكمل دراسته الاعدادية فيها ، هاجر الى لبنان واقام فيها حتى عودته بعد سقوط النظام السابق ، عمل مصمما ورساما في الصحافة العراقية ، وأقام عددا من المعارض داخل وخارج العراق منذ العام 1985 ، اغلب لوحاته تضادات لونية، موسيقى وشعر ، هناك بدايات ونهايات لكل شيء في لوحاته كما في الحياة ،المتضادات موجودة وهي ليست اختراعاً شخصياً، والاختلاف موجود ايضا مثل الانسجام والتوافق ، ولو انك رأيت الباب الذي يتكرر وباصرار احيانا في أغلب لوحاته حيث يمثل البداية لكل شيء ، جميلا كان ام قبيحا ، لتجربة سعيدة او حزينة ، للموت والحياة ، كذلك الديك الذي ينذر دوما بانتهاء الليل وبداية فجر جديد ، ثمة ايقاع جميل في الحياة ولكنه خفي ، لايظهر الا بالشعر والفن ، يشده كثيرا صوت فيروز ويعشق القصائد التي تغنيها ، انها موطنه الذي بحث عنه وحلمه الذي يحميه من كل طارئ بشع ، على انغام صوتها رسم الكثير من لوحاته ، واكتشف انه اينما ذهب في العالم العربي يجد موطئ قدم له، لذلك لم يشعر بغربة خلال اقامته في بيروت . في لوحاته تبحر صوب حياة اجمل وتتخيل نفسك ملكا لعصور غابرة ، او سلطانا في احدى الروايات ، وتسمع في لوحاته الضجيج الناتج من تفاعل الالوان ، واعين المشاهدين فبين اللوحة والموسيقى خيط رفيع من يمسكه يبدع . تمثل المرأة العراقية في العصر الحديث في مخيال الساعدي كائناً اضعف وأقل حيلة ، بعد ان كانت رمزا في الثقافتين السومرية والبابلية . المرأة التي علمته كل ابجديات المعرفة ، وهي تمثل لديه نصف هذه الحياة التي يشعر فيها بغربة داخلية تشتبك بين الذاتي والعام ، قد يكون سبب ذلك ايضا التقصير الكبير من مجتمع ذكوري اتجاه هذا الكائن الجميل او محاولات وئده مجددا تحت حجج وذرائع شتى . مدينته الكاظمية مرتع طفولته ، الحلم الحزين الذي ترجمه فيما بعد الى ازقة ضيقة وشبابيك عتيقة ، واطفال وصبايا يلعبون ويبحثون عن احلام ضائعة في هذه الازقة ، لقد صور الحزن والانتظار وخيبة الامل ، لكن الوانه التي يوزعها بين اللوحة لم تكن كذلك ، فهو يختارها مبهجة ومفرحة وزاهية بقصدية ، عكس كلمات القصائد التي تزين بعض اللوحات ، ان ردود افعاله على المأساة الكبيرة التي يعيشها الناس ، والفوضى والقتل والتهجير ، هي العمل بهدوء ، واضفاء شيء من الفرح على حالات الحزن والقهر من خلال ربط المكان بصور حضارية ، الانهار ، النخيل ، الطفولة ، الموسيقى ، الحدائق … كل هذه الاستخدامات الى جانب الالوان المشعة البراقة تخفف من وطأة الحزن الشديد الذي نحسه ونقرؤه على وجوه الناس المستضعفين . في اعماله مشاعر متضاربة شكلت له مادة غنية للوحاته ،استعمل فيها الاسلوب الواقعي التعبيري ، تاركا التفاصيل ، مكتفيا بالايحاء الى ليل بغداد الذي لاينتهي ، تشاهد في بعض اللوحات الزواريب المعشش فيها الموت في كل لحظة ، والبيوت المعتمة ، لكن الحياة لاتزال تدب فيها ، لاتزال الشمس تشرق كل صباح رغم سحب الدخان التي تغطي الافق ، ورغم الجدران السود والاحلام التي تحولت الى كوابيس والوجوه الخائفة القلقة ، عبد الرحمن الساعدي متفائل لذلك هو يرى الحياة مستمرة والسحب الكئيبة هي التي تزول ، ولانه ابن هذه الحضارات واعتادت عيناه على تأمل الفنون القديمة على جدران الكهوف فهو يعمل بتقنية تساعده على الارتباط الوثيق بالتراث والفولكلور التي هي الاساس التأريخي المسيطر على اعماله الفنية . يقول عبد الرحمن : “انا شاعر في تصوراتي ، لذلك انا أشعر بالغربة حين يكون الوطن مكبلا بالسخافات ” فالسخافات تترك أثرها كالحضارات ” . شعورك بالغربة واحد في هذا الحال ، ان كنت داخل الوطن او خارجه ، انا ابن الوطن لا ابن الاحزاب لذلك شعوري بالغربة اكبر ، وهذا ماجسدته في لوحاتي وتأثيره واضح جدا . استوطنت في لوحاتي كل جماليات العراق والحياة العراقية التي كانت ومازالت تتبارق وتتراعد في سريرتي بسبب الاغتراب وليس بسبب المنفى فقط “.









