ثقافة شعبية

ليل البنفسج .. قصيدة الشاعر الكبير مظفر النواب القصيدة مُنعت لطيلة عقود من الزمن

فـالمفردة الأولى، في هـذه القصيدة تقــول: يــــا طعـم … ” وتترك وراءها فـراغاً، يملى على المتلقي لأن يتـأمـّل هذا الطعـــم، وبالتالي يريد معرفة نوع الطعم وشكله وما هـو قادم بعد هذه المفردة، كي يكتمل معنى الطعـم، أي أن النــوّاب، جعل التـأويل مفتوحاً عند القارئ ليختار شكل ونوع وذائقة هذا الطعم بـل وتميـّزه عن بقية أصناف الطـعـم قبل أن يوصل إليه تكملة الجملة الشعرية، بغية إمسـاك المتلقي بقـوة، وشـدّه للقصيدة وأجـواء القصيدة وبناءات القصيدة وفضاءاتها، وهو ما أسميه ” ضجيج القصيـدة” بمعنى هيمنتها على عقل المتلقي، وهـنا نرى النــوّاب، في هـذا المفتتح لقصيدته الشعرية، تسـلـّل هـادئاً الى أحاسيس المتلقي ، إذ أنـّـه ألحق كلمـة” يـاطعم ” بكلمـة سحريـّة أخـّـاذة، إشتقـّـها من شكل ورائحة ولون البنفــسج، ذلك الـزهـر الجميل والسـاحر، والمتألق في الليالي القـمـراء، وكأنه – أي النـوّاب- يريد أن يملي على المتلقي خيـاله الشعري السـاحر، بهـذه المفردة،ويفرض عليه أجـواء القصيدة، وهـو يدرك بأن المتلقي الحسـّاس هـو أميل الى هـكذا أجـواء، لأن إستخدام عبارة ” يا ليلة من ليل البنفسـج” هو الخيال الرومانسـي الناحي صوب مداعبة خلجات الروح العاطفية ، والإنتقال بها الى فضاءات الهـوى والحـب، بعيداً عن قلاقل السياسة المتعبة لعقل الشاعر والمتلقي ، على حـد سـواء، وبغية شد المتلقي أكثر ، فإن النـــوّاب يسحب القارئ الى مايريد أن يصلـه إليه، فيردف مفردة أخرى في مستهل البيت الثاني، فيها يـاء النـداء، تؤكـّد ياء النـداء الأولى في البيت الأول ، لإستحضار، شخص مـا ، تخاطبه المخيلة بهـذا النـداء، قد يكون شخصاً أو حزباً أو شعباً أو جماعة معينة، يستحضرها عقل الشاعر، وهـنا ” مـكرالإيحـاء” في محمول المفردة النـوابيـة، لأن تشغل بـال المتلقي في مسألة التـأويـل لما يرمي إليـه الشـاعر، لذلك يوصـفـه بــ” يـاحـلم..” وهنا نرى أن الشاعر، مازال محـلـّقا في ” عـالم الخـيال” فالحلم ، رؤيـا، تداعب الروح في لحظة غيابها عن الوجـود الفيزيائي المؤقــّت، عادة مايحضر هذا الحلم في المنام أو في مايعرف بـ” أحـلام اليقظة”ً وهـذا الإيـهـام المقصود من لـدن الشاعر، هو لأجـل ديمومـة الحالة النرجسية في وهـم الشاعر ووهـم المتلقي، من ناحية ، ومن ناحية أخرى، هـو الإبقاء على موسـقة الإيقاع في هذا الرتـم الجميل لترادف الكلمات في محمولاتها المعنوية والشعرية، ضمن هارمونية البناء الكلـّي للبيت أولاً وللقصيدة ثانيـاً، فهـذا الحـلم ، هـو ” مامش بــمامش” أي لاوجـود له على الطبيعة أو في المتناول الملموس، لأن كلمة” مامش” تعني في العامية العراقية: لاشئ، فكل الاحـلام: مامش في مامش، أي لاشيء على الإطلاق، ومع ذلك يبقـى ” هـذا المامش” خيط أمـل تتعـلـّق بـه الروح، لأنه يرمز الى شيء في داخلها ولا تستطيع التخلي عنه أو نسيانه، لذلك هو حاضر دائما في خلجات هذه الروح، بمعنى هـو جزء من وجـدانها القائم أبـداً، وعلى ضوء ذلك يناشد الشاعر هـذا الوجـدان بــ: طـبع كَـلبي من اطباعك ذهـب” إذن هـناك قـدسية وإجلال لهذا الكـائن المخاطـب، لأن الشاعر يستوحي منـه ” طـباع روحـه” والتي هي بمثابة” ذهــب خالص” أي سيماء الصفاء والصدق والأصالة قائمة في طبعه، وفق المـفهـوم العراقي ، لهذا المصطلح،، أن هذا الكائن لاتشوبه شائبـه، وطبع الذهب، ينعت بـه المخلصون فقط ، دون سواهـم، ومن هنا نفهم معنى الإجلال والتبجيل في محمول العبارة عند الشاعر، لذلك يحافظ الشاعر على هذا البعـد المعنوي في شخصية المخاطب، عندما ينعـته بعبارة ” ترخص وغـلـّـيك وأحـبـّك” بمعنى أن الشاعر- هـنا- يلمس بعض هـنات في هذا الرمز قد بـدت، وهـو ما تجليه مفـردة” تـرخص” والتي يرفض الشاعر التعامل بها معـه، لأنـه يحـبـّه، ولا يريد لهـذا الحـب أن يبـتذل، ولذلك هـو يصـرّ على أن يكون غـالي هذا الحـب، من منظـور دلالي قائم في الوجـدان، وحاضر في الوعي واللاّوعي، وهـو ماتكشفه العبارة في البيت الخامس القائلة :” أنـا متـعــود عليك هـــواي” وهذا التعـود حالة في الديمومة، عصيـّة على التغييـّر عند الشاعر، لأنـّه ألَـفَ تلك الحالة فيه وتعـوّد عليها ، بشكل واضح وكثير، والتي تشير إليها مفردة” هــواي” أي من الكثرة، هنا في هذا الموضع، لذلك نرى حـالة من التـعــــوّد عند الشاعر في مراقبة هـذا السلوك المعـذب للشاعر، فيربطه بالإدمان على تلك الحالة باعتباره” سولة سكـتـّي” أي حالتي المتعـود عليها فيك، والسـولة= التطـبـّع،والسكوت على تلك الحالة ، هـو حـالة من الرضا أيضـاً،
* في المقطع الثاني من القصيدة، ينتقل مظفـر النـوّاب،، الى محاكاة هـذا الكائن الوجـداني، ويستحضره في كيانـه، وهـو في عـالم الغـربة والتشـرّد، فيخاطبه بالقول:
” يـا طـواريـّك .. من الظـلمـة تجيني” و ” طـواريـّك” أي ذكـراك وأخبارك تصل لي وأنـا في غربة وحـالة من الظـلام المطـبق، لذلك لا أستوحش، لأن أنت موجـود في كياني، ومتواصل معك في كل الظروف الصعبة، ومن هـنا تأكيده على أن مجيئـه قد غيـّر ماكان هـو فيه ، من حياة وشعور وملبس وفكر، وهـو ماينجلي في البيت اللاّحـق القائل: جـانـن ثـيابي علي غـربـة … كَـبل جيتك ،،، ومستاحش من عيوني” هذا البيت تعريـة مطلقـة لكل أحاسيس الشـاعر، وهـو فضح كاشف لمدى التعلـّق بهـذا الكائن، فـهـو الذي أبدل فيه كامل الكيان،بـدأًً من الثياب الى المشاعر بعـد مجيئه إليه ، لأنه قبل ذلك ، كان تـائهاً، ومستوحشاً وجـود البشر، بل الإستيحـاش حتى من عـيونه ، وتلك حالة نادرة الحدوث إذ أن هـذا المجيء لـهـذا الكائن قـد قلب كل مـوازين الشاعر، رأساً على عقب، وهــذا البيت عـندي لايمكن أن يـدانيه بيت آخـر ، لا بالعـامي ولا بالفصيح، حيث التشـبيه فيه صورة خـارقة لكل مكامن النفس البشرية، فـهـو بمثـابة ولادة جـديدة تملي قانونيـّتها على الوجـود، ومن ثم تحـرّك المخيلة الى أشياء أبعـد حتى من محمولها أو توظيفها في هـذا المكان، فالعبارة، في هذا البيت قابلـة للقـراءةعلى أكثرمن وجـه ومعنى ومحمـول، يتجاوز حتى مضمون العبارة
هـذا الإستيحاش المفارق للشاعر بعـد المجيء ، يطمئن روحـه، فتـهـدأ قليلاً ، وتستأنس هـذا المجيء المجرّد والملامس للخـيال والعـواطف ، فيخاطبه بعبارة رقيقة فيها شيء من التـذلل للمحبـوب والمحـبـّذ في هـذا المقام، فيخاطبه قـائلاً: “ولـّـمتني… وعلى المـامش عـلـّمتني” عبارة- ولـّمتني- يفهـمها أهـل العراق، على أنـّهـا ، هـيـأتني الى أشياء كبيرة وخطيرة وأعـددت نفسي لهـا، ولكنك ما زلت على إيقـاع ” المامش” مازلت محافظا وعـوّدتني على هـذا ” المامش”ً أي اللاّشيء، ومازلت بك متمـسـّكاً، رغم أن هـناك الكثير ممـّن مالوا بحبهـم لي، لكنـّي فضلتك أنت بالـذات عليهم ، وهـو مايكشفه البيت القـائل:” آنـا حـب اهـوايَ كَـبلك ذوبــاني” هـنا نرى أن النــوّاب تـمـاثـل وتـناصّ في هـذا البيت ومضمـون بيت- القشـيري المتصـوّف ، القـائـل:
بـنيَ الحـبّ على القـهـر فـلــــو…… عـدلَ المحـبوب يـومـاً لسـمـج
لـيس يستحـسن في حكم الـهـوى….. عاشق يطـلـب تـأليـف الحجج
والنـــوّاب مـولع بالقراءات الصـوفية، وهـذا المنحى واضح وكثير التضمينات في شعره، وهـذا الأمر يحــتاج الى وقفـة أخرى خاصة بهذا الموضـوع.
المقطـع الثـالث من القصيدة، يبدؤه النـواب ،بحـالة توصيف عشقيـة، تنسجم والمضمون العـام للقصيدة، لكنها تعزف على إيقاع ” التشـبيب والتـغـزّل المفرط بالمحبوب، حيث يقول في مسهل هذا المقطع :
شـلـون أوصـفـك … وانـت كهــرب
وآنـا كَــمرة عيـني… دمـعـة ليـل ظـلـمــة!!؟؟
استهلال البيت بــ: شلون أوصفك، أي كيف أبـدأ بتوصيفك ، وأنــت تشـعّ كمادة” الكهرب” التي تشع بالليـل الحالك، وتستقطب كل العيـون للنظر إليها، والكهرب من الحجرالكريم الذي تصنع منـه المسـابح، وهـو حجر غالي الثمـن، والتوصيف هـنا يقفز بالمعادل الموضوعي لوجـه هذا الكائن بـ الكهرب ، الدائم الضياء، فيما وجـه الشاعر، أو كَـمرة عينـه، هي كقطرات الدمع المنسكبة في الليل والتي لايراهـا أحـد، بمعنى لاتصح المقارنـة مع بهـاء وجهـك النـوراني ، مهما حاولت أن اقترب في كل ما أملك مـن اشتعال والتي رمزت لها كلمـة” كَـمرة عيني” والكَـمرة،، هي ليـلة يكون فيها القمر بـدراً، والمقاربة هنا، في هـذا التوصيف ، هـو إعـطاء الكليـّة لوجـه الحبيب وزيادة نـوره على القمر المشـع في اكتمال بـدره، وهـنا نلحظ المغالاة في هـذا التوصيف الذي لا يقارن بـه شيء، من ناحية سطوع النـورالفلكي في وجـه المحبـوب، مقارنة ببقـية المخلوقات، فكيف أوصـّف نفسي بك ومن ثم يـذهب الشاعر أبـعــد في التوصيف حين يقـول:
شـلون أوصـفـك …. وانت دفـتر وآني جـلمـة!!؟؟
بمعنى، أنا مجـرّد كلمة في ” قـاموس” والـّتي عـبّر عنها بكلمة” دفـتر” وهـذا إيغـال آخر في اكتمال صفاة المحـبوب قياسـاً الى المحـب، ولذا نـرى أن الشاعريضفي كلام الجلال والجمال على موصوفـه، باعـتباره” سـاكن البال، هـادئا في منامـه، غير مبـال بحال محبـوبه، ولا يؤرّقـه التفكير ولا السهر في الليل، وهـو ما عبـّر عـنه البيت القائـل: ” يـلـّـي ما جاسك فـكـر باللـيل، ومجـاسـك سـهر” بمعنى أنت خال من أيّ هـم ، ولذلك يردف التوصيف عليه بـالبيت التالي:” يـلـّي بين حـواجبك غــفــوة نـهــر” بمعنى أنــت في رقـدة هـانـئة تشبه إغـفـاءة النهـر في حالات الصفاء والـهــدوء، وقد أحسن النـواب التصوير ، حين شابته غفـوة المحبوب الواضحة في ملامحه من خلال النظر الى مابين عينيه وهـو في حالة الرقـود، وتوصيفهما بغـفوة النهـر، وهـذا التشبيه نادر جـدا في الأدب العربي ، وقـد اهـتدى إليه الـنــوّاب، نتيجة قلقه الـدائم وسـهـره على قصيدته وفرادتها، وهـذا يسـجـّل له في هـذا المعادل الموضوعي في دلالات الرسم الشعرية.
في المقطع الرابع والأخير من القصيدة، يعزف النـــوّاب على مفـردة “مامش بمامش”لإثبات أن هـذا السلوك عند الكائن المخاطب، هـو سلوك ثابت ، طبع سيرته وشكل تعايشـه اليومي بهذا المسلك، أي أن هـناك إيحاءات نــوّابية تريد القـول، أن هذا السلوك هـو ” مـواعـيد عرقـوب” لاصدق فيهـا، وهـنا أراد النــوّاب ” بمكر الإيحـاء” الذي يجيده في الشعر أن يحرف ذهـن المتلقي الى قراءة ” طبيعـة هـذا الكائن” الذي يخاطبه ، بمعنى آخر ، بـدأ النـواب يغري المتـأمـّل بإيغــال التـأويل الى أمـور أخرى، تتعـدّى صفة الكائن الفـرد ، لأن صفة الثـبات على نهـج مخادع ليست صفة بشرية دائمـة !! ومع ذلك أن النــوّاب يظـل متمسـّكاً بهـذا الكائـن حتى وإن اكتشـف مكـره، لأنـّه- الكائن- أثيـر لـديه ولا يستطيع الفكاك منـه، بل يبقى متعلقـاً بـه على الدوام ، ومن هـنا جاء توصيفـه بـــ” ميـزان الـذهـب وأدغـش واحـبـّك” وهنا حـلـّق بنا النـواب الى معادل موضوعي آخر يدخل في صناعـة المصوغات الذهبية، حيث المتعارف عليه ، في الوعـي العـراقي، أن – هـذا الميزان- كثير الغش دائماً ولا يعرف سـرّه الاّ الصائغ ذاتـه، فتوصيف هذا الكائن بــ” ميزان الـذهب الغشـّاش” هـو إدانـة ضمنيـّة ، رغم جمالية العبارة الشعرية وسحريـّة إيقاعها في التوظيف والدلالة والإيحــاء، فميزان الذهـب، هـو المعادل الموضوعي لسلوك الكائن المقصـود، وهـذه إلـتفـاتـة خـارقـة من النـــوّاب في هذا المعـادل، تسـجـّل لـه قــبل غيـره مــن الشعــراء في التوصيف لطبيعـة الأشـياء .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان