ثقافية

حسين مروة.. من بيروت الى النجف ومن النجف الى بيروت

مازن لطيف

وقد أثارت آنذاك قراءته المنهجية جدلاً واسعاً في الأوساط العلمية والسياسية والدينية. فقد تميز كتابه الموسوعي (النزعات المادية) بقيمة معرفية وثقافية وسياسية كبيرة ضمن ظروف المرحلة آنذاك، أي تلك المرحلة التي كان الفكر فيها أسيرا للأيديولوجية ومحكوما بنوازعها السياسية. الأمر الذي طبع كتابه منذ البدء، بما في ذلك أسلوب تحليله واستنتاجاته بمسلمات عقائدية (ماركسية). وبغض النظر عما يمكن قوله بصدد تحليله واستنتاجاته، فان اغتياله قد أدى إلى قتل مشروعه الذي لم يكتمل. فقد كان يخطط للجزء الثالث منه والمتعلق بالفلسفة العربية في المغرب – ابن طفيل، وابن رشد، وابن باجه وغيرهم. وهو اغتيال يتقل العقل في صراعه وتناقضاته، ومن ثم حيويته الضرورية بالنسبة للاختلاف بوصفه إحدى مقدمات البحث عن الحقيقة. وبفقدانه المبكر تكون الثقافة العربية النقدية والعلمية قد خسرت احد رموزها وشخصياتها.
فمن بين الذين حاولوا إبراز خصوصيته بهذا الصدد تجدر الإشارة إلى كارمن رويث برابو، الذي اعتقد بان حسين مروة رسم صورة إجمالية لتاريخ الوعي العقلي، بوصفها انعكاسا للتاريخ الإسلامي. لهذا نراه يجد في كتاب (النزعات المادية) ثلاثة عناصر مهمة وهي: تقديم رؤية متأملة في التاريخ بوصفه واقعا ووعيا إنسانيا. وكذلك استعراض تناقض المنهج المادي والمثالي بالمعنى الفلسفي لكلا المصطلحين. ثم تطبيق هذه الرؤية على أحداث التاريخ العربي – الإسلامي عبر قراءة مغزاها الفعلي وعلاقتها الداخلية، وأخيرا تصنيف الأحداث والأفكار بالشكل الذي يجعلها عبرة حية ومعاصرة.
حسين مروة أحد أهم رموز الثقافة العربية في القرن العشرين الذي اغتيل في بيروت (18 شباط 1987). ولد حسين مروة في جنوب لبنان لأسرة محافظة. أرسله والده الشيخ علي مروة إلى النجف عام 1924 للدراسة في الحوزة العلمية. حيث تعرف آنذاك على محمد الشبيبي وتوطدت علاقتهما فكان أن أعطاه الشبيبي كتاب (البيان الشيوعي) الذي سهر مروة ليلتين على قراءته حسب ما روى مروة نفسه. وقد أثرت به كتابات ماركس بقوة. وأحدثت تغيرا كبيرا في مساره الفكري والسياسي والحياتي. حيث نراه يأخذ منحى مغايرا لطريقة الدينية التقليدية منذ بداية الأربعينيات من القرن العشرين. وقد يكون ذلك احد الأسباب العميقة التي ربطته بالعراق وقضاياه العديدة. فبعد أن أصدر نوري السعيد قراراً بإسقاط الجنسية عنه وإبعاده خارج العراق كتب حسين مروة مقالاً بعنوان (أنا عراقي.. وإن) نشر في جريدة صوت الأحرار البغدادية يوم 16 حزيران عام 1949 أي بعد أسبوع من خروجه من العراق.
فقد لعبت مدينة النجف التي عاش فيها حسين مروة دورا كبيرا في بلورة تفكيره الديني والفلسفي والسياسي والأدبي. فقد كان اهتمام حسين مروة أول الأمر مرتبطا بالكتابة الأدبية. وتحولت حياته اللاحقة، بعد تأثره بالماركسية وانخراطه في الصراع السياسي إلى وحدة واحدة لم تنته إلا بموته. وقد كانت هذه الوحدة بالنسبة له محكومة بفكرة العدالة الإنسانية والاجتماعية. فبعد أن جرى طرده من العراق سافر إلى لبنان لينضم إلى الحزب الشيوعي اللبناني.
كتب في جريدة الحياة زاوية يومية (مع القافلة) على مدى سبع سنوات. ثم انتخب عام 1965 عضواً في اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي اللبناني وترأس تحرير المجلة الشهيرة (الطريق) من عام 1966 حتى 1987. كما كان عضواً في مجلة النهج الصادرة عن مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، وقد درّس الشهيد مروة مادة (فلسفة الفكر العربي) في الجامعة اللبنانية – بيروت.
أصدر مروة العديد من الكتب، منها:
1)الثورة العراقية
2)قضايا أدبية.
3)دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي.
4)تراثنا كيف نعرفه.
5)النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية.
6)ولدت شيخاً وأموت طفلاً (سيرة ذاتية).
7)دراسات في الإسلام ـ بالاشتراك مع باحثين ـ.
كتب العديد من المقالات في جريدة الطائف النجفية والصحف العراقية والعربية. كما كتبت عنه الكثير من الدراسات وأقيمت الندوات السنوية إحياءً لذكراه. فقد قال عنه هادي العلوي “أن حسين مروة ماركسي، وفي ماركسيته يتمثل الإسلام من دون أن نلجأ إلى الإسقاط، لأنه في شخصه كمفكر يجتمع على خلفيتين من تحصيله الثقافي هما التراث والماركسية. وقد دخل إليهما من خلال الإحاطة بمصادرها، مع طريقة في التعامل الوجداني مع مصادره التي منحته المصداقية العالية”. وقال عنه الدكتور سعد دياب “لقد خلق مفكرنا الفذ وراءه كتباً لا يخترقها النسيان، وبقي لنا منه أبحاث في التراث أضاءت الماضي كي نتبصر المقبل ونسجت العروة الوثقى بين تراثنا القديم وأجيالنا الشابة بعد أن كشفت لهذه الأجيال القيم الإنسانية الرفيعة التي يختزنها هذا التراث”. ووصفه محمود أمين العالم قائلا “كان حسين مروة امتداداً مبدعاً لما سبقه من إبداع في الدراسات التراثية، ولكنه أعاد بناء رؤيتنا للتراث الفلسفي مبرزا ماضيه من كنوز الفكر المادي الموضوعي الذي طالما غيبت وما زال يغيب عند أغلب من يكتبون عن هذا التراث، فضلاً عن كشفه لحقائق الصراع الطبقي في قلب التراث الفكري والأدبي والديني والثقافي عامة، بغير جمود منهجي أو أيديولوجي”. في حين وصف الطيب تيزيني أثره العلمي قائلا “أن ارث حسين مروة الفكري “والفلسفي منه خصوصاً” يمثل حالة جديدة من الاختيار المعمق للنتائج التي وصل إليها، وكذلك للمنهج الذي سلكه في إنجازه”. في حين قال عنه الدكتور حامد خليل، بان حسين مروة “كان يتمتع ببصيرة نافذة، ونظر ثاقب، وفهم عميق للتطور الاجتماعي، وكان رائدا في اكتشاف خطورة الدور المعوق الذي يفضي إليه وجود وعي زائف، وأهمية الدور البديل الذي يضطلع به الوعي العلمي في تأسيس مشروع نهضوي جديد للعرب”. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان