علوان السلمان
فضلا عن انه نص اشكالي في حد ذاته لتفرده باسلوبه الكتابي الذي يحتضن اجناسا وانماطا ادبية(تشكيل/سرد/مونتاج…) .. لذا فهو جوهر عملية التحديث الحاصل في البنية الاجتماعية والمعرفية المؤسسة للجنس بمضامينه الحداثية التي افرزتها عملية التحول التي تستوعب المتغير الحاصل في البنية النصبة ايحاء وتعبيرا صوريا..وما يتبعها من تغيير في مجمل البنى المشكلة للخطاب الثقافي.. من خلال الجدلية القائمة بين الثنائيات الضدية(الشكل والمضمون)و(المركز والهامش).. والتي بفعل صراعاتها الدينامية تخلق التناوب الصوري المتجاوز للاجناس الشعرية المتواصلة والذاكرة الجمعية من اجل الحفاظ على صفة التأصيل وهي تحقق فرضيات لتدخل دائرة المألوف..
ومن اجل الاقتراب من النص النثري (النص المفتوح) نستحضر المجموعة الشعرية(اللهو بالخراب) التي نسجت عوالمها النصية انامل شاعرها سلام مكي واسهمت دار الفارابي في نشرها وانتشارها/2016..كونها تعتمد مظاهر اسلوبية تنتج بناء خالقا لتشكيلات منبثقة من لغة متفردة بالفاظها وتراكيبها الدالة على لحظتها المستندة على ظاهرتي الانقطاع والتجاور الاسلوبيتين..الفاعلتين.. الكاشفتين عن عوالم النص..
(الاقلام تمحو نقاء الورق..تفترش خطوطها المتطوعة بانتظام..تكتب ما تيسر من الملل..والسحاب يدخن ماءه بشراهة..لكنه ينفث سعالا.لادخان..
لي فلب من ورق النشاف..ولك ضوء لا تكسره كل مرايا العالم..
أشتاق الى خبزك الحافي وهو يعلم الشطار فن القراءة والكتابة..
أشتاق الى قنديشة وهي تغوي الرجال المفتونين باللذة والموت..
أشتاق الى صباح..وهي تقول للفجر المنكسر:امض ولا تعد بلا ندى يوقظ حبيبتي للصلاة في محرابي..).. /ص61
فالنص توهج ينسجه الخيال الشعري الممزوج بتكويناته الصياغية وجمله المكثفة..المحققة للصورة(لغة العصر) بمخاطبتها الوجدان وفق معيار حداثي له التزاماته الموضوعية مع تركيز على الخصائص الحسية لابراز التكوين الجمالي واعادة تشكيل الواقع من خلال اشتغال الشاعر على بث شعرية المفردة التي تستنطق كينونتها عبر علاقات الدال والمدلول لتفعيل الأثر الحسي والذهني بلغة مفتوحة على قراءات متعددة..فضلا عن اعتماده بنية الانقطاع التي تتضح بانتهاء دفق الجملة الشعرية..وبنية التجاور التي شكلها البناء اللغوي الذي مثلته مصاحبة المتن للهامش(قنديشة اسطورة مغربية لامرأة تدعى قنديشة تفتك بالرجال بعد اغوائهم بممارسة الجنس معها..)..الذي تتحقق علاقته التوليدية به والتي يمكن اعتبارها دالة والمتن مدلولا.. اضافة الى توظيف الرمز بصفته خيار جمالي وتقنية فنية واداة فكرية للتعبير عن قيم غامضة لغرض تصعيد التكنيك الشعري..اذ فيه ترتفع التجربة الى حالة من الشمول..والصورة فيه تتحول الى رؤيا.. تنبثق منها ايقاعية محققة للصورة المقترنة بالتجربة الشعرية التي تتجلى في التكرار اللفظي..
(أقتفي أثر النهار وهو يشج الدرب الميسمي باصبعه المتورم..
أرتمي خلف التلال وهي تنتظر راعيا يكسوها بثوب من اللعاب ويصفف بقطعانه ثمارها الطافحة بالدهشة..
أرتمي في حضن الريح وهي تفتش عن قن يحمل عنها حبوب اللقاح..
كثيرا من الشمس وقليلا من الافياء..بيدين خائفتين أحمل ستائري وأمضي..
حيث الموقد الرؤوم يدفئ بقايا الخراب
أكنس عتمة الامكنة بضيائك الشفيف..
انت أيها الصامت كوجاق مسن..الراحل عني كرأس ساخن:
اياك ان تستجيب لصوتي وهو يتدحرج في الادغال..) ص71
فالنص يقوم على ثنائية تحاكي الذات والذات الجمعي الآخر ابتداء من العنوان بوصفه دالا ومفتاحا اجرائيا للنص بفونيميه الدالين على البعد الدلالي والرمزي..مع تأثيثه بتلاحق الصور القابضة على لحظة الانفعال مما يمكنه الانفتاح على تقنيات السرد الشعري والتشكيل البصري الذي يتطلب حضور المكان الحاضن للفعل الشعري مع توظيف المجاز والاستعارة اللفظية المضفية عليه عمق فكري وبعد جمالي..فضلا عن انه يستفيد من تقنيات قصيدة النثر..باستخدامه(الكتلة) لتحقيق ما يقتضيه نسق التكثيف والايجاز من تقطيع وتسريع لوتيرة النفس السردي الشعري ونثر تفاصيل الصور عبر مشاهد النص..اضافة الى توظيف المجاز الموحي الذي يخلق دلالات ومناخات نفسية تسهم في توسيع القدرة التخييلية ومديات النص باستثمار الموروث الراسخ في الذاكرة ليفجر طاقات تعبيرية بمشهدية متآلفة بوحدتها العضوية المؤطرة بمكانية مكتظة بالموجودات المدركة بالحواس والمكتنزة بطاقتها التحفيزية والتأثيرية..
كان يتعرى والسحاب تكشف عن صدرها
تعبث بقلبه
كقشة تحتسي الخطايا..
البحر شارف أقدامها..نحر قرابينه
سعل..صرخ:أما آن أواني؟
أبكم..لكني لست كما الحب..
أرى حزني وقد لفظ دموعه الاخيرة
والنهار لم يشفق كعادته..فأرداك عاشقا
وجعل مني سيلا….
يتدفق تحت سريرك الموقت.. /ص20.
فالنص يهدف الى تحقيق الذات في تكوين موضوعي متدفق بانسياب عضوي عبر وعي شعري يكشف عن الانحياز للحياة من خلال آلية التوصيل والشعور بالاثر واستنهاض المعنى باعتماد اسلوب السرد الشعري والتركيز على الفكرة المختزلة في لغتها مع سرعة ايقاعية وقدرة تعبيرية مكتنزة بطاقة دلالية..فضلا عن انه يعيد الذاكرة بقصدية تكثيفية ورؤى شعرية استدعت المخيلة لنسج نص يفضي احداث تأثير جمالي من خلال مشهديته السيمية التي يلازمها الايقاع المنبعث من بين ثنايا الالفاظ والتراكيب التي تشكل بناء النص الفني الذي يستمد مؤثراته من خلجات النفس السابحة في فضاءات الخيال الشعري الممزوج بالواقع وهو يخلق صوره القائمة على التلقائية والتجربة المحتكمة الى قوانينها العقلانية..
من كل هذا نستنتج ان الشاعر يؤكد قدرته الفنية شعريا للتعبير عن المعاني المؤثرة بدفق شعوري قائم على الفكرة التي يحلق حولها المعنى..فيقدم نصوصا تقوم على مرتكزين:اولهما سردي باستخدام اللغة الوصفية..وثانيهما التعبيري الذاتي الذي يكشف عن روح ما زجة ما بين التأمل والتداعي..اضافة الى تميزه بتتابع صوره المعبرة عن معنين: حسي وذهني..بتشكيل بصري يتحرك وحركة الذات وتحولاتها الشعورية المنبثقة من معطيات واقعية.. محققة لتجريبية نصية وفق المستويات الاسلوبية والبنائية والدلالية مع وعي لقدرة هذه المستويات في تجاوز المألوف على الصعيدين: الذاتي والموضوعي..









