عبدالله باسم
(1)
منذُ نبوءةِ حرب
ارتُسِمَت ملامحُنا
لذا فهي “لاتشبهنا”
تَبدو اكثَر قسوة !
(2)
علينا ان نكبرَ ،هكذا أخبرونا ولكن الغريب في الامر اننا في وقتِها كنّا نلعبُ في الشوارعِ ونلوح للطائراتِ المارة، حتى طائرات القصف تلك التي اعادت لنا نفس العبارة ولكن بـ لهجة اكثر صرامة، ثم أعلنت انتهاءَ مدة طفولتنا مبكراً !
(3)
سمعنا رجلاً كبيراً في السن يُحدث أهالي المنطقة قائلاً : ان قائدَ الفرقة قَتلَ جندياً صغيراً
لانه رفض حمل السلاح وكان يُردد عبارة “ان هذه المعركة خاسرة”
واستمر الحديث بيـن الأهالي واذكر انهم تحدثوا عما تبقى لديهم من الرغيف ..
(4)
كنّا نَجتَمع في بيتِ العائلة الكبير ،فهمنا اننا يجب ان نَموت سوية او نتقاسم كمية الهواء المتوفرة(كان الهواءُ قليلاً جداً )
وما ان يحل الظلام وتمتد اصابعهُ حتى تبدأ الغارات الليلية المزعجة بممارسةِ دورها ببث جرعات إضافية من الخوف والفزع وكمحاولة لامتصاص صوت الرعب الذي تصدرهُ كنّا نقرفص اضلعنا ونصطف مع بَعضنَا البعض لنكون كتلة نحرص على ان تكون اكثر تماسكاً الا انها سرعان ما تنهارُ مع بكاءِ احدى النساء .
(5 )
رموا لنا الموتَ على شَكلِ ألعابٍ صغيرة، فـ احتفت لينا بإحدى الدمى واحتضنتها بقوة وقررت ان تنام معها في وسادةٍ واحدةٍ كانت تظنها هديةَ من السماء ،في اليوم التالي سألنا عن لينا وقالوا لم يعد لها وجود هنا وان روحها سافرت بعيداً ،سألنا الى أين، قالوا الى السماء!
اه لو ان لينا تحدثت بعفويتها هناك كم سيكون الامر مخجلاً ..
( 6)
اغتالوا النخيلَ وتركوا أشلاءهُ متناثرةً ،حدث ذلك امام اعينِ الفلاحين
(7)
استمرت الحياة “انتهت الحرب “الا اننا فقدنا الكثير الكثير فهناك أشياء لا يمكن انقاذها ولا استئصالها تظل عالقةً رغمَ رحيلها وان مر الزمن ،وهناك أشياء اخرى تنمو معك لتبدو اكثر نضجاً وتفاعلاً مع كل اللحظات الصعبة كأنها تَجمع قوى الخيبة وترمي بها مرةً واحدة دفعةً واحدة لَيترك ارتطامها بأجسادنا النحيفة ورؤوسنا المثقلة شقوقا، نحرص عادة على ان نخبئها عن الآخرين رغم عدم نجاحنا في الكثير من الأحيان …بعد كل ما حدث كنّا نرجو ان يكون العالم اكثر رحمة ويعيّ حجم المأساة التي تخلفها الحروب ولكن …
(8)
ابتدأت الحرب من جديد .









