ثقافية

حسين مروة – قصة كتاب

فاضل الشمري

 

إن المعركة ضد قوى التكفير والسلفية، هي معركة تراثية بامتياز، فهم يطرحون انفسهم ممثلين للتاريخ ويمثلون هوية المنطقة على كافة الصعد، وان النص التراثي والمؤول سلفيا كانت هي القراءة السائدة انذاك..

ليأتي كتاب المفكر حسين مروة النزاعات المادية، قراءة للتاريخ بطريقة جدلية مستندا في ذلك الى المنهج المادي العلمي فيجعل منه متحركا بعد ان قيدته نظرات السلفيين ووصمته بالسكون، فيقول مروة :ان التاريخ  يختلف وفقا للمنهج المتبع في قراءته، ويتجدد مع تطور المعرفة المستمر كما ونوعا ليتمكن بذلك من ابراز النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية. وقد فتحت القراءة الجديدة التي اتى بها مروة الباب واسعا لمن اتى بعده من المفكرين.

وهو بذلك وضع الحجر الاساس للنظرة الموضوعية ووضع التراث امام الفكر التقدمي بقراءة من داخل النص الفلسفي التراثي. كان التراث يقرأ – قراءتين-  احداهما سلفية والاخرى تطبيق المنهجيات الحديثة، بينما يرفضه اصحاب المناهج الحديثة جملة وتفصيلا .وهذه القراءة التي يشهدها العالم بين الغرب والتيارات السلفية هي وجهان لعملية واحدة في نهاية المطاف على الرغم من التناقض الشكلي الحاد بينهما، رؤية بعين واحدة.

المنهج الجدلي على نقيض السلفية والتغريب على حد سواء فيعيد النظر جذريا في الموقف من التراث ويتعامل معه برؤية مستقبلية علمية كخارطة طريق لشعوب المنطقة.

من هنا جاء وصف حسين مروة لاشكالية الفكر العربي المعاصر الاساسية بانها تتمثل بالموقف من التراث، اذ ان الانتصار على السلفية في المواجهة الفكرية يستوجب موقفا متوازنا من التراث التقدمي لمنطقتنا الذي لم يعد حكرا على فئة  دون اخرى. وحتى كتابه الملحمي (النزعات المادية) فقد كتبه كاسهام في المعركة الايديولوجية وكسلاح معرفي في معركة فكرية سياسية طبقية راهنة.

ان هذا الاثر يتسم باتساق منهجي وبالمعرفة الفكرية على اهم مشكلات التراث، وقد ترجم وفق منهجية تحافظ على تاريخية  التراث ودراسته وفق زمنيته بارتباطاته الاقتصادية والاجتماعية بحليل جدلي بقراءة رائدة لتطبيق الفكر الماركسي بدراسة التراث لاظهار الاوجه الناصعة منه واظهار علاقته بالوقت الحاضر وتأكيده على وحدة التراث الفكري الاسلامي الوسيط، على المسألة الاجتماعية وتبيان جدل الانقطاع والاستمرار وباتساق منهجي لرؤية المنجزات الفكرية وارتباطها بجذرها المعرفي.

لقد وضح اللبنة الاساسية للتحليلات اللاحقة في فهم ظاهرة صعود الحركات الاسلامية التكفيرية.

لنقرأ معا هذه الكلمات في رسالة من المكتب السياسي للحزب الشيوعي  اللبناني الى حسين مروة كتبت بتاريخ 13/9/1978″ لقد ترافق تكليف الحزب لك بهذه المهمة (مهمة انجاز كتاب ) صار اسمه فيما بعد النزعات المادية في الفلسفة العربية  الاسلامية وكان هذا التكليف قد جرى اثر المؤتمر الثاني عام    1968″.

يقول حسين  مروة: هذا التراث العربي الاسلامي الفلسفي  لم يدرس بعد في ضوء الفكر العلمي الماركسي، فالطرقات كلها تقريبا غير مطروقة،  والدرب موحش والصمت مطبق، ولا توجد سوى دراسات قليلة متناثرة محدودة معدودة وجزئية هنا وهناك والمغامرة هي الافق.

يوم دخلتها – يقول حسين مروة- لم اسأل نفسي، ولم اسأل احدا من اين وكيف.. ادخل في المغامرة؟

ولو سألت لم كانت المغامرة؟، ان تذهب لتختصر المسافة الشاسعة بين فكر التراث وبين الارض الاجتماعية لهذا الفكر. لم نبحر في المجاهل لنطعن وحش الصمت الرابض هناك على مدى المسافة وان كان هو المغامرة. وليس ادل من كلماته حين رفعها الى اعضاء المكتب السياسي لمناسبة التحاقه بالعمل في مثل هذا اليوم منذ عشر سنوات (21 آب- اغسطس) 1968 بدأت الرحلة الرائدة في عالم التراث الفكري الاسلامي الذي شرفني الحزب ان اكون اول مغامر يدخل – نورا- في مجاهلها خارقا  اكثر من سور فكري وايديولوجي مضروب حول هذا العالم التراثي منذ اقاصي العصر الوسيط حتى الثلث الاخير من القرن العشرين. وفي اليوم ذاته بعد عشر سنوات (21/ آب- اغسطس) 1978   ترفقني اليكم ايها الرفاق موجة فرح واعتزاز لاتقدم بأول تقرير عن الرحلة: اقول: اول تقرير ولا اقول التقرير الكامل لأن الرحلة لم تنته  بعد، وليس من شأنها ان  تنتهي الان. وكان التقرير الاول هو المجلد الاول من كتاب النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية (والكتاب يقع في 1024 صفحة من الحجم الكبير) فهذا الكتاب بجزأيه معرفة علمية جديدة بالتراث الفكري الفلسفي اذ ينظر الى مكان هذا التراث من اللحظة التاريخية في خط تطور المجتمع العربي – الاسلامي خلال العصور الوسطى خاصة، ويشكل عملية مسح معرفي  لخطوات اساسية ونقلات تاريخية للعرب، يتفاعل فيها التطور الاجتماعي الاقتصادي  بالتطور الفكري الفلسفي منذ الجاهلية حتى القرن  الرابع  الهجري وكان هذا كله يطرح  الكثير والجديد من قضايا  التراث والفلسفة العربية والمنتهج.

ان الكتاب هو فتح جديد في باب قديم يسجل في دراسة التراث العربي رحلة نوعية جديدة، وهو استقراء لهذه الرحلة التي تمر بها الشعوب العربية، وعلامة هامة من علامات تطور الفكر الماركسي. حسين مروة يؤكد على حقيقة ان هذا التراث ليس ماضيا وحسب وانما هو كائن متحرك بصورة دائمة، هي صيرورة الحياة الواقعية التي ينبثق منها ويحيى فيها ومعها، وهي بدورها تحيا فيه ومعه، وان هذه العلاقة تبقى لها جدليتها المتحركة التي تنشئ للتراث تاريخه وحيويته وتبني له من هذا التراث والتاريخ وهذه الحيوية وحدة متماسكة بين الماضي والحاضر يسكن فيها المستقبل، وهذه العلاقة بين ماضي التراث وحاضره لم يستطع رؤيتها او فهمها اولئك المبشرون بنظرية  (العودة الى الاصل) اي الى الماضي مع رفض الحاضر اطلاقا وهي نظرية رجعية هدفا ومضمونا معا.

يقول المفكر المصري الراحل محمود امين العالم في كتابه (الوعي والوعي الزائف) عن تحديد العوامل الاجتماعية والتاريخية في نشوء الظاهرة الفكرية وتطورها: ان الظاهرة الفكرية ليست معلقة في فراغ، وليست منزلة، وليست ثمرة عبقرية فردية خارج زمانها، فضلا عن هذا فالظاهرة الفكرية ليست مجرد ظاهرة فكرية فليست ثمة ظواهر  فكرية خالصة تماما، بل هي من نشأتها الى فاعلية وجودها تتشابك مع الظواهر الانسانية الاخرى.

حقا ان هذا كله لا يلغي ولا ينفي الطابع المستقل للفكر عامة والفكر الفلسفي خاصة، ولقوانينه الخاصة الداخلية، ولا يبقى دور الفرد المفكر المتميز، ولكن مراعاة هذا (انما تتم في اطار الرابطة الموضوعية متشابكة مع العناصر الذاتية، ويبرز الان مع التاريخي الثابت مع المتغير الداخل مع الخارج، الافقي مع العمودي في نسق موحد). وفي نفس اليوم الذي  ابتدأ فيه  بكتابة الجزء الثالث تم اغتياله!! فهل هذه مصادفة؟.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان