الجزء الاول
أمي لاتعرف من هي الليدي ديانا سبنسر . لكنها ذرفت دموعاً من البرتقال وهي ترى آلافاً من البريطانيين يضعون الورد على قبرها يوم توفيت في حادث سير وقالت : مسكينة هذه المرأة : ترى كم من البشر يعشقونها ليضعوا هذه الأطنان من باقات الورد : إذن لماذا تموت .. وكم من الحكواتيين سيكتبون عن سحرها وموتها وعطرها الويلزي.؟
يقول الجنود في الحرب : أن الموت ينشر هواجسه على الذاكرة اليومية لهم حتى عندما يكتبوا رسائل الغرام أو القصص التي تخصر الأمل بحكاية او تلك الروايات الطويلة التي كنا نكتبها على نغم موسيقى اغنيات السهرة في المذياع. وعليه كان الربيع ونسائم الليلة الصافية مع لمعان النجوم وضوء القمر أكثر المواسم حسية وروحانية في جعل حروف هذه الكلمات واضحة ومخيفة ومجسدة .حينما ينتشر الأقحوان البري الأحمر على طول جبهات الحرب.وعندما يرقد هذا المتميز في جبروته والذي لايُهادن ولا يقبل الرشوة والتأجيل في حدوثه ووقيعته يسكن الجميع هاجس انتظار ما يجري وكأنهم يقلبونَ الفهم المدهش في أغنية أم كلثوم الفاتنة أنا في انتظارك ويحولون الغرام وانتظاره إلى فعل المحسوب في فوضى الأرقام ، فكلما نضرب الأرباع في الأخماس نحصل على النتيجة ذاتها :نحن نولد وهو ينتظرنا في النهاية ليأخذنا إلى أحضانه .وربما كل مرويات الحضارة البشرية في بدءها ونهايتها تضع هذا التصور في أول حساباتها ، واقرب الذين يعيشون هذا الإحساس بكامل تفاصيله هم كتاب روايات الحرب .فللحرب مع الآغنية صلة من الوصل العميق رابطهُ كل تلك الروايات والقصائد والرسائل التي كان يكتبها الجنود في لحظة المؤانسة مع الموسيقى وكلماتها المغناة .غير إن هذه الأغنية المصنوعة من حروف الدهشة والعذوبة والأنامل الرومانسية الناعمة كسطوح ملساء على نوافذ الشفتين تجعلنا نحسب الحياة بشهواتنا وقصائدنا وأرتعاش أقلام رسائل الحب للأمهات والعشيقات والزوجات القابعات في جوف أفق المدن المنحدرة هناك إلى جنوب العصافير والدمعة وتنانير الخبز وقناني العطر والسؤال حيث يشاغلنا وحي بهجة صوت أم كلثوم ونُعيد تكوينا آخراً لجغرافية الأرض ونصنع انفعالاتنا الخرافية من بهجة الجسد وانتصاب الأوردة ودماثة الخجل في جعل هذه الأخيرة في هاجس انتظارها أمنية ودعاء أن تذهب الحرب بعيدا ولا يبقى لنا مع الورد سوى ما نتخيله مزروعاً في صدور حبيباتنا ونحن نشم نهودهنَ المصنوعة من الشحم والسَمار أو بياض القيمر الشهي… ! تلك المناخات المصنوعة من حرير منديل السيدة الذي تمسكهُ بألوان مختلفةٍ في جميع أغانيها ترتبط بخلايا الذهن من خلال الأطنان من الأماني والأحلام والنبوءات فتمضي الى أبعد مشاويرنا ، الحياة التي تمضي بنا من الرحم الى القبر ، وكل هذه المسافة تشاغلها محطات عمرٍ طويل ترويه أجفاننا بالنظرة والحرفْ والسَماع.هذه المرأة (أم كلثوم ) جمعت كل حياتنا في حنجرتها . ولنتخيل لأول مرة كيف تصير الحنجرة قنينة عطر ونجعل من الانتظار سلوكاً غامضاً لطرقات أقدارنا بين متاهة ورصاصة غامضة من قناص في الجانب الآخر أو حديث عابر في باص يحمل الجنود وزوار مراقد كربلاء في طريق واحد والسائق يحمل ثمالته في شريط كاسيت ويضع صوت أم كلثوم بوصلة لمسارِ وجهته ، فيغالبنا نعاس من اللذة وتذكر كل الذين هم في قائمة الانتظار : الأم .الزوجة .العشيقة .المقهى .بيت البغاء .الشارع .قبر الولي .البار . سماع تغريد عصافير شجرة السدر في باحة البيت .





