هند يوسف مجيد السامرائي
ومن خلال أغاني المهد التي ترنّمها الأم لطفلها، تصبح الموسيقى في أصواتها المختلفة وإيقاعاتها المتنوعة ومفرداتها اللغوية أول إنتاج إنساني يخترق عالم الطفل. تبدأ هذه الأغاني، وخصوصاً عندما تساعد الأم طفلها على النوم، بكلمات بسيطة على إيقاع صوتي خاص يمهّد للنوم، ويساعد الأم في أدائها حروف المدّ الليّنة في كلمات الأغنية. فإذا كانت تنقص الكلمات حروف المد المعروفة (الواو والألف والياء)، تعمد الأم إلى مدّ حركات الإعراب (الفتحة والكسرة والضمّة). فليس مهمّاً أن تلفظ الأم الكلمات لفظاً سليماً، وليس مهماً حفظ الأغنية، فهناك أمهات يردّدن اللحن بتمتمات تحافظ على الإيقاع الصوتي. وعرفت كل شعوب الأرض هذا النوع من الغناء. وعند العرب، يروى أن إعرابياً يدعى أبا حمزة الضبّي هجر زوجته لأنها لا تلد الذكور، ومرّ يوماً بخباء امرأته فوجَدها ترقّص ابنتها بهذه الكلمات: «ما لأبي حمزة لا يأتينا / يَظلّ في البيت الذي يلينا / غضبان ألاّ نلد البنينا / تاللهِ ما ذلك في أيدينا / وإنما نأخذ ما أعطينا ونحن كالأرض لزارعينا / نُنبت ما قد زَرعوه فينا»، فعاد الزوج إلى بيته وأولاده. وإعرابي آخر كان يرقّص طفلته فيقول: «كريمة يحبها أبوها / مليحة العين عذباً فوها / لا تحسن السبّ وإن سبّوها».
وتُنشد أغاني المهد عادة، عند تنويم الطفل، وأثناء الحمّام، وأثناء مساعدته على المشي، أو عند ملاعبته، أو إرضاعه. ومن مسمّياتها المناغاة، والتهاليل، وأغاني الترقيص. وفي ما يأتي نماذج من أغاني الأمهات لأطفالهن، وثمة أوجه تشابه واختلاف بينها وبين أغاني المهد في الغرب:
العراق:
يا بنيّه يا بنت الناس / أبوك أمير وقنّاص / شعرك جلَّل الكرسي / وحزنك دوَّخ الناس / لا انجاب ولا انجلب / لا بالشام ولا بحلب / ريت بطن اللي جابتك / ديوان والكرسي ذهب / تنام وأنا أهدي لك / والعافيه من الله تجي لك.
وردت مقاطع من الأناشيد والإشعار في التراث الشعبي كانت الامهات تتغنى بها بدافع المحبة والسرور والاحتفال بأبنائها الصغار كما في المقطع الاتي :
هز رويسك يانمنم *** بيه الودع والخضرم.
فالهز والاهتزاز احتفال بالطفل وبحركاته وجماليته وبراءته . رويسك، تصغير رأسك للتحبيب وليس للازدراء والتحقير . يانمنم، للتدليل على الصغر والنعومة والملاحة لان النمنم اصغر انواع الخرز وهو جميل، كذلك وزاد من جماليته لانه مخضب ومطرز بانواع الزينة من الودع الذي هو نوع من الخرز الكبير وكذلك الخضرم، فهو جميل ويحتوي على اشياء جميلة تثير البهجة والفرح والسرور وتبعث على المحبة .
ومن الأغاني والأناشيد، ما تتغنى به الأم بطفلها الصغير في مرحلة المهد وتدعو بقية النساء ليشاركنها الفرحة والاحتفال بصغيرها وتدعو بالويل والثبور على من لاتشاركها ولاتهتم بهذا الطفل العزيز كما في المقاطع الاتية :
والماتكلك مرحبا *** لاحبا ولادبا.
ولابنت بيت جبير *** ولا درج بيه الزغير.
والماتكلك عيني *** تعما من الثنتين.
ويموت رجل صباها *** ويعلى عليها الزين.
كأن الأم تريد من كل النساء الأخريات أن يحتفلن بالولد كما تحتفل به أمه والتي لاتحتفل به ولا تبادله مشاعر المودة والحنان فان الأم تدعو الله أن يحرمها من الولد بقولها ((لاحبا ولا دبا)) ، فتدعو عليها بالشقاء والبؤس في هذه الحياة بقولها (( لابنت بيت جبير ولادرج بيه الزغير)) اي تدعو عليها بحرمانها من البيت المناسب المريح وانما خال من مرح الاولاد ولعبهم فيه .
وكذلك تدعو على المرأة التي لاتغمر الطفل بالود والحنان ولا تقول له عيني ، تدعو عليها بالعمى وفقدان البصر وعلى زوجها العزيز الغالي بالموت وهكذا .
وهناك اغان توجه الطفلة الصغيرة :
حكچ حرزوا في من صندوق الحكومة ذهب صافي
خايف على چديماتچ دربچ حافي من المسج والكسب حكچ كالة .
وهنا تتوجه الام الى البنت مخاطبة اباها على اساس انها بنت صبية رغم صغرها كونها في المهد ، لكنها تخاطبها باعتبارها امرأة المستقبل الزاهر.
ومن الاغاني التي كانت الامهات يرددنها للطفلة في مرحلة المهد، لكنها بكلمات ناعمة كانها موجهة لامرأة عروسة او زوجة :
مانريد اللوه ام تظل بصرايرها تضم وعلينا تجيب وتغم نريد خال مختلي يضل جيبة ممتلي .
وكذلك القول : مسعدة يا ام البنات وين ما تمسي تبات
و وين درب الصايغ يا ام البنات .
ومن الاغاني التغنى بشجاعة الولد المتوقعة :
اوليدنا خوش اوليد واحلى من ولد البو عبيد
يهطرهم بالوتيد ويخليهم فريري
ومن اناشيد المهد واغانية ماتوجهه الام الى طفلها :
يمه البنية شغالية طرمة وگبة عالية
لاتفرحين يا ام الولد ناخذة ونخليج خالية .
ومن الاغاني الاخرى التي تتكلم عن طفلة المهد باعتبارها امرأة كاملة شامخة بجمالها وبشخصيتها الفريدة :
ماشفتهه ياحدابة *** شاكرها نص طابة
تسوه الموصل واطوابة *** حتى مدير السنية.
ومن الاغاني التي تغنى بلسان طفلة المهد كذلك :
اريد ابشر امي بخالي ** عجيد السربة وعمي حرج بالتالي.
وكذلك النشيد الاتي :
ماشفتها يا درويش *** تخيط بشال وبنيش
راس الكذله سبك ريش *** والزلف جداعية .
وترانيم الامهات لاطفالهن تعد المدرسة الاولى لعالم الطفولة لسماع اجمل الكلمات واعذب النغمات وارق الالحان، وتعود سمع الطفل على النطق السليم وهي طبيعية عفوية تتضمن ما ينطوي عليه قلب الام من محبة وحنان في مواجهة فلذات اكبادهن. فما ابهج منظر الام عندما تحتضن وليدها وهي تفيض حبورا وغبطة، انها تنظر الى وجهه وتتحسس جسمه، فتبتسم له وتناغيه وتغني له لانامته وترفعه عند اليقظة لتروضه على الحركة. وامهاتنا العراقيات يتميزن بحلاوة الصوت وعذوبة اللحن وخاصة في اثناء الترانيم.. وهذا ناتج ربما من غزارة الحنان والعاطفة واحيانا من شدة الحزن ومرارة الحياة. بحيث اصبحت تلك الترانيم نافذة ومتنفسا لاخراج ما هو في داخل الام من فرح وحزن وألم وقلق..
وتراثنا الشعبي يزخر بترانيم الامهات التي تناقلتها الألسن جيلا بعد جيل، فهذه الترانيم رافقت الطفل منذ ولادته حتى صباه وقد عبرت الامهات البغداديات في مختلف محلات بغداد مثل الفضل والمهدية وحمام المالح والسيد عبد الله والقراغول… وغيرها بترانيم كثيرة متعددة الاغراض.
وتعتبر تلك الترانيم لونا من الوان الغناء الشعبي وما ينطوي عليه قلب الام من صدق ومرارة، فضلا عن ان للترانيم قيمة كبيرة من حيث دلالتها الادبية والاجتماعية والتاريخية وترانيم الامهات تكون اما ملولاه (هدي) او ترقيص (تهشيش)، ويجري الهدي عادة بنغم شجي هو اقرب الى الغناء البكائي (النعي) منه الى الغناء، فالام اذ (تلولي) تخلو بنفسها مع ولدها تردد ترانيم بعبارات تصور الامها ومشاعرها وعواطفها وكانها تداوي بهذه الترانيم والعبرات الشجية جروح قلبها وتهدي اعصابها المرهقة، او كانها تشكو ابنها بعض ما تكابره من مرارة وشقاء.. وحين تقول: ردت الولد بعد العيون بعد العمام الما يحنون ردتهم بالعمى ودومن يونون وتقول اخرى: غريبة وجاراتي غرايب ومالي بهل دنيا حبايب وليلة شتاء والرجل غايب .
وهذه الترانيم سواء أكانت ترانيم الملولاه (الهدي) أم ترانيم الترقيص أو ترانيم الانام هي تراث عراقي قديم، وعادة تسمعها البنات في الصغر والكبر فيحفظنه وعندما يصبحن امهات يترنمن به لاطفالهن، وينقل بالسماع والحفظ من جيل الى اخر، ومع ذلك فقد ضاع او نسي منه الشيء الكثير لعدم تدوينه ولانشغال معظم البنات وخاصة في الوقت الحاضر بالتعليم والواجبات المدرسية ومشاهدة القنوات الفضائية وقراءة الصحف والمجلات وغيرها..وتقول احدى الامهات:
الولد يا محبس يميني يا زهرة الدنيا
أبعيني خلاف الولد محد يلفيني .
ولأغاني الترقيص ايضا انواع كثيرة بعضها خاص بالاولاد وبعضها خاص بالبنات وما تزال عادة تفضيل المولود الذكر في مجتمعنا على الانثى سارية حتى اليوم وهذا يظهر جليا في قول الام: يوم كالولي ابنية الحايط اتفلش علية، واليوم كالولي ولد، ضحكت الدنيا اليه. كما ذكرت تلك الترانيم بشكل واضح في تراثنا الشعبي والغنائي، نذكر منها اغنية للمطرب (رياض احمد) حيث يقول مطلعها:
دي لوال يالولد يا بني دي لوال
عدوك عليل وساكن الجول.
وفي الترانيم اغراض عديدة في التعبير عن الافراح والحزن والخوف والعتب، والحسد والغيرة.. حيث تقول الام: سور سور، ابو الحسنين ناطور، واليقرأ آية الكرسي، اله معاضد وخصور، وهناك ترانيم كثيرة ومختلفة لا يسع المقام لذكرها. ولا تزال الامهات البغداديات في المناطق اخرى من بلادنا يحفظن اغلب هذه الترانيم الصادقة لانها تراث فلكلوري اصيل سيبقى راسخا في ذاكرة امهاتنا عبر الاجيال.
أغاني المهد؛ (الدللول)
سميت أغاني المهد بأسماء عديدة تتناسب وطبيعة كل مجتمع ولغته، فهي بالنسبة لنا نحن العرب، معروفة بأغنية المهد أو ترنيمة المهد. وفي العراق نسميها (دللول). إن الفعل من هذا التركيب (لولى) أو (يلولي) ومن المعروف في العائلة العراقية انه عندما يبكي الطفل تقول الجدة لأمه:
نـام يــا ابـني نـــــــــام
نــيمتو بالـعـلـــــة
لأذبــح لك طير الحـمـام
وخفت عليه من الحيّة
يـا حــمــامه لا تخــــافي
وهـزّي لو يا صـبيــــــة
تتضحك على ابني تاينام
بلكي عاصوتك بينــــــام
تبدأ مرحلة أغاني المهد (الدللول) من اليوم الأول من عمر الطفل وتستمر معه حتى الشهور السبعة الأولى تقريبا”، أي طول ملازمته للكماط (القماط) والكاروك (المهد). والقماط هو أول لباس يرتديه الطفل عندما يولد. إن أغنية المهد (الدللول) قد يرجع عهدها إلى قدم وجود الإنسان في وادي الرافدين غير أنها مرت بمراحل تاريخية عديدة أكسبتها كل مرحلة منها طابعا خاصا وفق الظروف المحيطة بها .
ومما يؤكد بان أغاني المهد قديمة قدم وجود الإنسان، هو انه أينما وجد الطفل فان أمه تغني له حتى ولو بهمهمات غير مفهومة ولا معنى لها. بعد أن تقوم الأم العراقية بتقميط وليدها ووضعه في حجرها تبدأ بالرضاعة، ومن ثم تبدأ بأغنية المهد، مهدهدة إياه حتى يغفو فتضعه عند ذلك في الكاروك (المهد) .
إن الحديث عن (الدللول) يعني الحديث عن ألأم العراقية، عن الدنيا وما ضمت وعن العالم وما حوى وعن ما تتمناه الأم لأبنها (ابنتها) عندما يشب ويكبر معبرة بذلك عن ما يجيش به قلبها الكبير من أرق العواطف وأسمى معاني الحنان والتضحية.
إن ظهور الحركة النغمية عند الإنسان اكثر قدما من ظهور اللغة، وبما إن الأم العراقية ترتل كلمة (لو) و (لو لو لو) عن طريق لسانها وبسرعة ثم تترنم بعدها بكلمة (لو لوا) أو (دللول) وتنشد وفق مزاجها الآني الذي يعبر عن وجودها الذي عاشته وتعيشه. إن هذا الأسلوب من الأداء النغمي يجعلنا نعتبر أغنية المهد (الدللول) حركة نغمية تظهر آثارها على طباعها العام .
وعلى الرغم من إنها غنائية في جوهرها فان للكلمات والحركة التي تؤديها الأم والمنسجمة مع إيقاع الحركة الناجمة عن هز المهد أو هز رجل الام عندما يكون الطفل مستلقيا” في حضنها مع الضربات الخفيفة التي تربت بها ألام بيدها على ظهر أو جنب وليدها .. كل ذلك له أهمية بالغة في تكوين هذه الترنيمة.









