ثقافية

كيكـــــــوز 1

هادي عباس حسين

 

يكررها مرات عديدة، يعانقني لشدة  جوعه، وينشر صرخته في أذني  ويتمتم 

_ بابا..مممه..مممه..

فيخرج قلبي من جسدي وأتلوى لألمه ولوعته انه يطلب مني ان أعطيه الحليب، وقد نفدت الكمية التي استلمتها ضمن الحصة التموينية المخصصة، لان ولدي شربها وبشكل يلفت النظر ، فاكثر من مرة افقد أعصابي واصرخ في وجهه:

 _نحن في حصار..تمهل بشرب الحليب يا ولدي ..

يتبسم ويأخذ المكان متحركا  برقصة دائرية فتأخذني فرحة لا توصف، علما انه وليدي الأول حتى يتجه صوبي ويحضنني ويقبلني ويمسح لعابه النازل من فمه  بدشداشتي قائلا:

_ بابا..مممه..مممه..

لم أفكر بنتيجة  طلبه، لما امتعني بشيء من الوقت، لو طلب مني روحي لاقدمها قربانا له.فانطلق بنفسي ..نعم بنفسي اصنع له الحليب  كي أضيف الى المزيج ملعقة واحدة زيادة كي يستلذ بها عكس أمه التي لو هيأت له الحليب تنقص قليلا من الكمية فيصبح طعمه  ليس لائقا بفمه عندما استذوقه متفحصا طعمه فأقول:

_ حرام عليك يا امرأة ان طعمه ليس مقبولا..

فأهرول لأضيف فوقه ملعقة من الحليب.هذه هي النتيجة التي أوصلت نفسي اليها، ان ينفد الحليب وأبقى حائرة وانا أرى تلوع ولدي الأول حسن.الذي يشدني الان اليه بقوة ويكرر صرخاته لتتأجج الثورة بداخلي فالتفت لامه:

 

_ أنت أما   ..ألم اقل لك عند ولادته ارضعيه..ارضعيه..الرضاعة الطبيعية صحة وعافية..

أخفضت رأسها بعدما ضربت يدها واحدة بالأخرى ندامة وحسرة قائلة:

_ ماذا افعل ..أنا كنت في صالة العمليات.

تذكرت حينها ان ولادته كانت بعملية قيصرية وليس هذا وحده، بل كان في صالة أطفال الخدج التي كانت ضمن اختصاص الممرضات الفيليبينيات، أتذكر عندما وددت رؤيته من بعيد لأول مرة، أشارت اليه بإصبعها قائلة:

_ هووو..هسن..هوو..هسن..

ألقيت نظراتي من بعيد كان حجمه صغيرا جدا ووجه دائريا صغيرا، كذلك لم استمتع بنظراتي اليه لأنني لم افهم ما هو، إلا قطعة لحم معجونة برعاية الخالق سبحانه وتعالى نشرت ضحكتي للممرضة عندما صارت جواري، كان في جيبي خمسة دنانير حاولت ان أعطيها لها  لكنها رفضت بشدة وهرولت من أمامي . أياما سوداء كانت لما تذوقته من مرارة وعذاب وانا أتنقل مابين مكان عملي ومكان المستشفى كما أنا الآن أقف مكتوف اليد بانتظار الحليب كيكوز 1 وكلماتي ارددها للطبيب الذي قال لي يوم عرضت ولدي عليه:

_ عليكم استبدال الحليب بآخر كيكوز 1..لعنة الله عليه..

قل بكاء ولدي وتصورت بانه روحه قد خرجت  لكن أمه أخذته مني بلطف:

_ لقد تعب من الصراخ..وخلد الى النوم..

قبل ان أسلمها وضعت أذني على قلبه، ولما  سمعت دقات قلبه قلت:

_ الحمد لله ..ما زال حيا..

لم تنته معاناتي وعذابي أبدا، بل بقيت أفكر في داخلي ناطقا لام ولدي:

_ لماذا تأخرت أختك..وهي وعدتنا انها ستجلب هذا الحليب من مكان عملها في مدينة صدام؟..

لم ترد علي، بقيت صامتة لم تجد جوابا كافيا ..سكتت وبعد ان وجدت جوابها نطقت به على الفور:

_ اليوم بداية الأسبوع والازدحامات كثيرة ..

لم اقتنع بردها لكني استقر بي الأمر ان أقف عند الباب الخارجي لاعيش لحظات الانتظار مرتقبا أي سيارة أجرة تتجه لشارعنا الفرعي معيدا اللوم والعتاب للغائبة التي ستحمل معها البشرى علب حليب كيكوز1 لقد أكدت عليها كلامي:

_ اشتري بكل راتبك هذا الحليب ان عثرت عليه..!

اعرف ان هذا مستحيلا ان تجد هذه الكمية، ونحن نعيش حصارا مريرا. شاركني بوقفتي الحاج أبو علاء مستفهما كأنه استمع لصراخ ولدي:

_ ما بحسن هل هو مريض..؟ سمعت صراخه..

قلت له وبتوتر:

_ لا والله  كمية الحليب  نفدت منذ أمس..

قال لي :

_ اذهب الى الوكيلة ام ماجد..

قلت له وعيني ترتقب الدرب:

_ لقد ذهبت وفتشت في كل الأسواق لم أجد..

تابع القول:

_ ابنتي.. خذ من حليب ابنتها..

أجبته:

_ الطبيب أوصاني بهذا الحليب فقط..؟

.. وجدت امرأة تركت سيارة الكوستر متجهة صوب شارعنا كانت تشبه من ننتظرها جميعا  بملابسها السوداء وبخطاها التي دللت على تعبها الكامل لعلها مرت على أسواق هذه المدينة المتعددة أتذكر قسما منها سوق العورة ..مريدي..الحي..و..و..

تأكدت أخيرا انها هي خالة ام حسن عندما وجدت أنفاسها تتصاعد من شدة التعب قالت لي قبل ان اسألها:

_ بالمرارة تمكنت الحصول على ثلاث..

فرحت ومن شدة لوعتي لما عشته قلت تاركا كلامي لها:

_ أخبرتك ان تعودي بسيارة الأجرة  التاكسي..

كل من في البيت رحب بها وكأنها حازت على جائزة كبيرة .نظرت اليها وهي ترمي بجسدها الثقيل على احد مقاعد الجلوس حتى هرعت لها أختها بكاس الماء بينما انشغلت أنا بتهيئة الحليب لولدي الذي  أتمنى إيقاظه حتى يشبع نفسه ,ان قلبي يرأف بحاله لذا وانا أضع معالق الحليب وقفت زوجتي قائلة:

_ ثلاث معالق..ليس أكثر..

فزعت من كلامها كوني لم أتوقع مجيئها لي بهيئة متصنت ومحص لعدد المعالق فقلت:

_ وضعت هذه الثالثة..

كذبت لأنني لم اترك محبتي له قائلا  متمتما مع نفسي:

_ وضعت أربعا ليس ثلاثا..؟

كان هذا قبل ربع قرن من السنوات واليوم أجد ولدي يصرخ بصوته العالي في البيت وأمامي قائلا:

_ أنا لا أريد هذا الطعام انه  مضى عليه يوم واحد..بات أكلا بائتا..

بقيت ساكتا انظر لوجه أمه وأقول لها:

_ لو ارضعتيه رضاعة طبيعية ما علا صوته عليك..

آنذاك  قلنا سوية بصوت وإحساس واحد:

_ لعنة الله عليك يا  حليب كيكوز 1.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان