ثقافية

ذات رؤيــــــا

عبد العزيز الحيدر

 

     سواء طرقت الباب أم وقفت إزاءه صامتا محيرا…مترددا او مستذكرا…مهما كانت فكرتك السابقة وانت تتجه نحوه..فأنت مازلت مزيج الشوق القديم وارتعاشات ذكريات …من خلف حجب..بعض الأحيان تتضح صوره لتكون حادة واضحة فوق الأنف… طازجة الأوان..دافئة, كدثار عبق النكهة, غارق في شمس لطيفة..بعض الأحيان تكون غائمة في صفحة لا تفهم نفسها…مضطربة المعاني…مختلطة بفقدان أكيد للسيناريو القديم, بجمال ألوانه…وتصاعد موسيقاه وحواراته .

للزمن قدرة على الاختباء.. تماما مثل الحرباء, مثل فكرة تتطاير عند الصباح,تضحك عن أسنان ناصعة البياض …مشذبة من أيام لدى العيادة….صرفت عليها مبلغا كبيرا….تتلفت يمينا وشمالا تخطف قبلة صغيرة عجولة من الخد…..

 غريب أنت, من أين تأتي بخيالاتك؟…أقول لها للمرة الاخيرة.. كان الباب يترقب….الذي مر أكثر من عقدين..الشيب انتشر, غزا كل الرأس…وأنت ما زلت جميلة….لا ….اقصد انك أصبحت أكثر جمالا…

تقول تجاملني….. ترفع الخصلات بهزة الى الأعلى….تماما كما تركنا بعض على غير اتفاق, قدر أحمق كان….كنت الهث ذلك اليوم بين الوزارة ومقر العمل….عدت لأواجه بابا مغلقا…أصدروا أمرا بالإعفاء الكامل…طلب سيدهم المتجهم ان تغلق غرفتي …ان لا ادخلها ,مع التحفظ على اية ورقة فيها…حين دلفت من الباب الزجاجي الكبير لآخر مرة لم اك أع حالتي…لن تكون سوى أيام للالتحاق بالجيش….الحرب الجديدة على الأبواب…وهكذا تتوسع المسافات..ينتشر الجنود للأقاصي…يملأ الجو غرباء..زرق…سود…حمم النيران تلتهم المباني المعامل…المؤسسات…الموت يملا الحناجر…القلوب تنقلب قواربها…الرياح دخان..واختناق….يموت الحرب….كل شيء ساكن….النهر يصرخ من العطش….يصدح الكمان حزنا..تتمزق السنين….المدينة تصبح وراء الظهر….الباب يصطك بالجوع….الحصار…السرطان يرفع رأسه…يكشر أنيابه الحمراء….العواء يتواصل

 سيارات الدفع الرباعي…فرق التفتيش…تحرق…تمزق….تتقلب بنا الدنيا..اللعنة.. السنون..اعود عاملا أجيرا…أواصل إصراري اللعين..اتحدي الانكسار.. على ان ابذل قلبي لأطفالي وزوجتي….لم احد عن الحب….فقط غرقت في طين الكدح اليومي ..الخبزة… مستقبل الأولاد…. مدارسهم ,كلياتهم فيما بعد..الغربة الأبدية في أرياف الوطن…. الإصرار على عدم توقيع الورقة المذلة  لآخر نفس… هجر القلم الا في افتتاح الربيع ببضع قصائد تمتلئ بدخان حطب مبلل وزهور متفتحة الى امل من ضباب…….احتفظت بمكتبتي..اعدت القراءت الأثيرة…احتفظ ببعض دفاتر الماضي…دفترك…خطك الجميل …كان من بين كنوزي السرية….بعد عقدين…ثلاث لن اصدق أنني كنت احتفظ بلقطات…بنبضات خالدة..بارتعاشات…وخوف….بحب لم يكن من حقي البوح به..ولم يكن لنا ….

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان