ثقافية

صرخات الجسد في قصص " عذراء الليل "

بقلم / السيد الزر قاني 

 

– ما بين الخيال والحقيقة أخذتنا  المجموعة القصصية ” عذراء الليل” للكاتبة “د/نهلة جمال ” الصادرة عن دار النخبة للطبع والنشر  في 80 صفحة ،حيث نجحت الكاتبة بما تملك من مفردات لغوية متميزة في اختيار  تلك المنصات القصصية القصيرة والومضات للتعبير عما يدور في النفس البشرية عامة والمراة خاصة في مختلف الأعمار، حيث نجحت في إبراز الحالة السيكولوجية لكل حالة على حدة بعيدا عن حالات التكرار،ونقلت لنا نبضا أنثويا رشيقا يلهو في المواقف الحياتية اليومية ليقدم مواقف مكثفة تمتزج فيها رقة المشاعر بالوصف التفصيلي لابعادها ، لتعبر عن كل فتاة، امراة، ، في سبع وعشرين قصة قصيرة جدا وسبع عشرة ومضة ، تقفز بنا السطور من حلم لاخر ، تحيك أثواب الايام الحزينة والفرحة لناس ظَلموا أو ظُلموا، فبطلة قصة” بداية طريق” منى التي عاقبتها الأيام لفقرها وجمالها عبرت عن حالها ” أبواق لاهثة تشق الآذان، بينما تقف ساكنة على ناصية الطريق، لا تقوى قروشها الصغيرة على الفوز بلذة تناول مشروب صباحي ساخن بالمحل المواجه، وفتات أمنياتها قابعة في قاع حقيبتها، منذ غادر وتركها عروس العام الأول، تاركا ميراثا من الهموم والشقاء والعزوف عن الفرح، في مجتمع حجب عنها فرص البقاء.”، وفي قصتها “تسلل” تأخذنا الكاتبة في براعة الى تلك العلاقات الحتمية بين النساء والليل، فكثيرا ما تكون هناك محاورات ومحاكاة ذاتية علانية أحيانا أو سرية في اغلب الأحيان بين تلك المراة والليل، حيث كانت تخطط ليومها الجديد عبر حلم الليل البهيج حيث قالت في ص 6″ أغلقت ستائرها المجدولة بخيوط بنفسجية باهتة لتستلقي على فراشها المقابل في زاوية الغرفة للشباك حيث يتسلل الضوء ولا يسكن المكان.

أغمضت جفنيها ورفعت إشارة البدء ليومها الجديد حيث تخطط، وتؤلف سيناريو كل الأحداث وتبدل الأدوار وفقا لما تحب .

هو يومها نحياه بلا أوجاع، بلا أوامر، بلا ضوابط سوى أخلاقها هي، ولا تسمح لأبطاله إلا بما يسُرها، ستجعل من كلماته لها همسات وثناء، ومن غرفتها كوخا صغيرا على شاطئ النهر، ترتدي فيه ألوان البهجة وتتحرر خصلاتها السمراء من قيد النظام ، ستلمس أناملها بهدوء أواني الطهي غير مترددة أو متوترة خشية لوم اصطياد الأخطاء، تجري بين جنبات المكان بدلال، ويراقبها بنظرات حانية وهو يقرأ جريدته.

تدندن بصوت طفولي أغنيتها الحالمة..تقع ..تقف ..تخرج بحثا عنه..ليسمعها أبيات العشق والاشتياق ………….هي لم تخبر الليل بسرها ، لكن عيون النهار فضحت الأمر ، حين تسللت إليها عبر ستائر الغرفة لتنهي هذا العتاب القاسي عن غياب هذا الزائر الذي يفك اشتباك الأوجاع بأماني البقاء ، ويلقي ظله على فراشها، فتسكنه زهور الأحلام ، يؤنس سهرها بهمسه لأغنيات فيروز الرقيقة، ويزرع الذكريات في شباك غرفتها لتطل بين الحين والآخر على واقع بلا حبيب.

لكنها دوما تفيق حين تتمرد خصلاتها الغجرية علي زيارة جدائل أشعة النهار لستائر غرفتها، فيتجدد العتاب حتي موعد تسلل الليل من جديد”!

– تلك أحلام الانثى  حين تهيم في الليل الا ان أشعة النهار الجديد حين تتسلل اليها من جديد تقتل تلك الأحلام والأمنيات السرية التي طالما حلمت بها وعاشت في كنفها …….وتظل في حالة تمرد فعلي على تلك السنن الكونية حتى ياتيها الليل من جديد –وفي قصة “حياة بلا حكايات “تأخذنا الكاتبة الى عالم اخر من السرد الصامت لحكايات العشق بين أبناء الحي الواحد والمجتمع الواحد حتى وان كان هذا الصمت هو الحوار الداخلي بين البطل والبطلة الا أنهما بهذا الصمت البليغ يرسمان لوحة عشق أبدية بين دفتي كتاب، كانت تقرأ فيه وهو ينظر اليها عبر شرفة أحلامه المطلة على حديقة حياتها، ويتساءل البطل دون إرادة منه في ص9″لماذا اخترق هذا الشعور قلبه وتعالت أمواج الرغبة في احتواء أحزانها ؟؟” وهنا يظل البطل رهن حالة الانتظار لحين عودة حبيبته، التي عاش أسير تلك الحالة النفسية التي ترجمها بالحزن الداخلي لمجرد النظر في عينها ، ويظل أسير تلك المشاعر حتى غابت وهو رهن الانتظار فلم يقدم على اقتحام الصمت الكائن في ذاته ويصارحها بشيء ما يسكن الوجدان حتى صدم بالغياب الأبدي دون ان يمنح نفسه فرصة التحدث اليها وكانت النهاية تحت لافتة  “شقة للإيجار “كتبت على شقتها وضاع الحلم والحب معا في لحظة وكانت الصرخة الداخلية اقوى من اي كلام يقال عندما نفتقد القدرة على استغلال الفرص في الوقت المناسب .

– وفي قصة “عذراء الليل” التي اتخذتها الكاتبة عنوانا لتلك المجموعة تأخذنا الكاتبة في براعة وعبقرية من خلال تلك اللوحات الإبداعية واللغوية الرائعة وتماسك في الحوار وبراعة في سرد الحدث،  صعودا وهبوطا في الصراع الداخلي لتلك الانثى التي تخرج يوميا للبحث عن العمل الذي يمثل لها الحياة ولكنها  لا تمل من البحث مرات عديدة في هذا المجتمع الصاخب الكاسر للأحلام الا انها حين تعود الى فراشها في تلك الحارة  تنسج لنفسها حلم العذراء في الحب والزواج والعشق ولا تنقطع تلك الأمنيات الا مع فجر يوم جديد أو صوت هذا المنبه حيث تقول في ص 33(فتحت نافذة الغرفة الخشبية تستقبل أشعة متسللة من شمس النهار المختفية خلف جدران العمارات الشاهقة التي ألقت بظل حزين على بيوت الحارة وقلصت مساحة الرؤية للشارع الرئيسي …توشحت بعباءتها حالكة اللون حيث تغيب صفرة أزرارها خلف طرحتها المنقوشة بتشابك لوني غامض مثل صمتها وهدوء أنفاسها……خرجت تحمل أوراق مرتبة …شهادة ميلاد..وشهادة مؤهل وبطاقة ….وقائمة بأسماء شركات ومحلات في المدينة الصاخبة ….جذبت جدية خطواتها نظرات المارة دون تعليق وكأن جمود تعبيراتها كتب بخط واضح( لا مجال للحديث) ….عبرت الشارع الرئيسي وغابت سمرة طلتها البسيطة في زحام المارة …..تدخل بنايات ومحلات بتردد وتخرج مسرعة لتلحق بمسيرة المارة قبل ظلام الليل …..رحلة يومية اعتادت عليها وتعرف مسبقا نتيجتها ولكنها لا تمل …..تخط في قائمتها اتجاة رحلة الغد للبحث عن حياة ….وما أن تعود لغرفتها، وتغلق نافذة الصخب اليومي ….حتى تتحرك تلك العيون نحو مرآتها المعلقة بجوار باب الغرفة المغلقة …تخلع ثوب النهار وتتباهي بقميص يتوهج بحمرة الاشتياق ..تسدل تلك الخصل المتعرجة من طول القيد ….وتتمايل علي أنغام أحلامها ….تفتح ثغرها لتدندن بهمس خافت…..تناجي الأمنيات على صوت مذياعها الصغير …..فاختيار النغمات رفاهية لا تملكها ولكنها تتقن الاستمتاع بالمتاح منها مثلها ككل متطلباتها الإنسانية….تسقط ذات الثلاثين ربيعا على فراشها تسطر رواية جديدة كأنثى لم يغب عن مسماعها حديث الأحباب حيث استقرار الحال …..تقذفها الروايات كل ليلة من وظيفة لأخرى ومن زوج لحبيب …حتى الذوبان في نعاس صامت لا يزعجه صوت رنين منبه وأصوات جلبة الحارة ….لتفتح أحلام نافذتها الخشبية فتقتحم الحارة بصخبها أجواء الغرفة …..تسرع لتقيد خصلاتها المتمردة عليها وتغلق مذياع الليل فقد حان وقت الاختباء بعباءة النهار)

– ونصل الى قمة  الإثارة  في الصراع الداخلي للانثى المقهورة في المجتمع الشرقي بما يحمل من متناقضات نفسية ومعنوية ربما تحطم كيان الانثى الحالمة خاصة في علاقتها مع الزوج الذي يحاول الحصول منها على مايرغبه هو فقط وليس ما يرغبان سويا ،فنجد الكاتبة قد امتلكت زمام الكلمة والحرف وتوغلت في تلك اللحظة دون إسفاف في اللفظ لتوصيل تلك الصرخة الصامتة في نفس الانثى ، حيث نجحت في إبراز سيكولوجية المرأة في تلك اللحظة الفارقة  واستخدمت تلك المفردات البليغة المعبرة عن تلك الصرخات مع كل لمسة عبث من جانب الرجل في جسدها حيث تقول في ص55(وراحت يده تعبث بجسدها الملقى على فراشها تحاول إيقاظ الرغبة التي غفلت في سبات عميق منذ ولادة ابنها الثاني ) حتى  تصل الى(تمرح أنامله بثنيات الجسد دون مقاومة منها ………تغلق أبواب المشهد بالصمت والأنين المتقطع ……..تغرق هي في حالة اللاوعي ………لكن المؤكد انها لا تملك حق الرفض المسلوب بقوة العادات البالية والخوف الكئيب من فقدان الظل ).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان