حوار /علي صحن عبد العزيز
ــ في البداية كان نزوحه من قضاء المجر الكبير إلى محافظة بغداد عام 1947،وقد بنى منطقة (الألف دار )في بغداد الجديدة ،وبدأ متأثرا بالمطرب داود زيدان ،وقدمه للإذاعة عام 1948وكانت تسمى حينها الإذاعة اللاسلكية وسجل أول أغنية له ومطلعها (أمر على الدار وانشده هلج وين ومصايبه بدلالي هلج ون ) بعدها ترك مهنة (خلفة البناء ) وانصرف نهائيا نحو الفن والشعر ،ليتعلم العزف *على آلة الربابة والكمان والسنطور .
-ابرز كتاب الأغنية الذين تعامل معهم ؟
أول الأمر وفي بداية الخمسينيات تعامل مع شعراء الشعر الجاهلي مثل أبو الطيب المتنبي والفرزدق ،وللامام علي (ع) ومن الشعراء الشعبيين الذين كان معجبا بهم كاظم إسماعيل الكاطع ،أخذ منهم جميعا مقتطفات رائعة وجميلة ،اما الطريقة التي يتبعها مع الشعر الفصيح فتسمى (القريض )ومنها :
سأحمل أعباء المحبين في الهوى
وانظم اشعاري إليكم واكتبوا
وعهدي بكم خيرا وانتم أحبتي
فما بالكم بالود لا تتجاوبوا
ويأتي بالقريض منه فيقول :
أظل اكتب عتب للدهر ونظار
واصد أعيون عنك دوم وأنظار
وحدي راح أشيل الحمل وأن ظر …وأشوف العاقبة شتكون هيه
أما أكثر الشعراء الذين تعامل معهم فهو الشاعر عباس الخياط وتجمعنا معه صلة قرابة (خوال والدي ) لأنه من عشيرة العقابي ووالدتي من هذه العشيرة الكريمة .
* هذا الموضوع يقودنا إلى ثلاثية موجودة بالغناء العراقي ،مثل زامل سعيد فتاح وطالب القره غولي وياس خضر،هل كانت هذه الثلاثية متطابقة العمل مع والدك ؟ ولماذا لم يتعامل مع ملحنين آخرين ؟
-والدي لم يتعامل مع أي ملحن آخر ،والسبب عدم وجود لحن يتوافق مع حنجرته الحزينة ،وحتى الأغاني التي يغنيها فهي على مقام الصبا وهو نغم حزين ،وهذا لا يعني عدم إجادته بقية المقامات الموسيقية مثل الشطراوي واللامي ،بل عندنا كاسيت وهو يؤدي المقام العراقي ،إلا أن الطور الذي تميز به هو (المنكوب )والصبا ،والتي حاول فيها المطرب الراحل رياض احمد أن يقلده لكنه لم يستطع ،ضمن جلسات غنائية في بيت الشاعر كاظم إسماعيل الكاطع ،والمطرب قحطان العطار، حيث غنى لوالدي لحنا وغناء (هاك الجرح يالمنكوب شله ،وأماه لاتفرحي بمولدي وتهلهلي ،وناديتك وأريد وياك بلله عليك تانيني ) وتربطنا معه أيضا علاقة قرابة (والدي خاله) ،كما غنى مع المطرب الكبير داخل الحسن أغاني كبيرة جدا تجاوزت مدتها 120 دقيقة والسبب لذلك لتقارب العمري فيما بينهما ،حتى انه سئل ذات مرة والدي عن رأيه بـ داخل الحسن ،فقال : ما أجي ربع من صوته ،وكذلك حينما سئل داخل الحسن عن رأيه بصوت والدي فقال :صوته محد يكدر يجيبه ولا يقلده أبدا . أما ابرز أغاني والدي من الشاعر عباس الخياط ،فكانت (فاكهة وموسم كطفه ) وهو شاعر وكاتب ابوذيه وموال متمكن ،إما طريقته في تلحين أغانيه فكانت عن طريق حفظ المقامات سماعيا ،وفي العقد الأخير كنت اعزف وألحن له اغلب الأغاني .
*لا يكاد يخلو كاسيت للمنكوب بدون ذكر اسم فالح حسن عازف الكمان ،حتى لتبدو العلاقة فيما بينهما بالمساجلة ،مالسبب وراء ذلك ؟
-فالح حسن يعزف لوالدي منذ 1958 ،وكانت بداياته معه عازفا على آلة العود ،وعندي تسجيل يقول فيه إن والدي هو الذي علمه العزف ،ثم تحول بعدها إلى آ لة الربابة والكمان ،وهو يفهم والدي ماذا يريد وكيف يتعامل معه بدون أن يقول له ،أريد منك مقام كذا وكذا ،مهمة العازف ليست مهنية وإنما تناغمية ،ولذلك ترى والدي متمسكا به لأنه يفهم ماذا يريد منه ،مثلما أنا اعزف لوالدي من سنة 1982ولنهاية عام 2009على آلة الكمان والعود أيضا .
* لنعد قليلا إلى سبب انتشار الأغاني الريفية وقبولها لدى الناس أيام السبعينيات وحتى نهاية الثمانينيات ،باعتقادك كيف تفسر تلك الحالة ،هل كان المجتمع محتاجا للغناء والتنفيس عن همومهم ،أم أن صدق الكلمة وعفويتها ساعدت على انتشارها وبضمنهم والدك ؟
-شهدت تلك الفترة بروز مطربين كبار ،منهم سيد محمد وابنه سيد فيصل ومدلل وسيد جليل ورعد الناصري والمبدع يونس العبودي ،وكل له دوره في الغناء ومحبوه ومتابعوه ،فمثلا حسين سعيده يمتاز بالإجادة التامة لمقام الرست ،وسيد محمد بطريقته الحزينة (واللكنة )بحرف الراء ،الا أنها أضافت جمالية أخرى له ،وهي عفوية وغير مرتجلة ،وأغلبهم ترك الغناء للاكتفاء الذاتي ،أما والدي فلم يعتزل الغناء على الرغم من حالة عدم الاكتفاء المادي وإهمال الدولة آنذاك والمتعمد له ،وهو ملتزم دينيا ،وعندي كاسيت يرتل فيه القران الكريم ولمدة 45 دقيقة . وبعودة قصيرة للغناء الريفي نجد أن المطرب الريفي عبادي العماري سجل مع والدي سنة 1968على آلة الربابة ،ومن باب المفارقة قال له والدي :ياعبادي لا تلحن باللغة العربية ،كن دقيقا بالقريظ ،وقالها له في التسجيل حتى كلما يستمع اليه يتذكرها ،وعبادي سجل أيضا مع والدي سنة 1975 أغنية مدتها ساعة ,واغلب التسجيلات كانت عند كريم الجصاني بمحافظة الكوت ،ويتم إنتاج 3ــ4 كاسيتات في السنة ،اغلب كلمات تلك الأغاني لوالدي ،وتتراوح مابين 20ــ25 ابوذية 7 منهن للشعراء الشعبيين مثل علي مهودر الحمراني وصالح العاني وعباس الخياط ،وكذلك عندي كاسيت للمطرب داخل الأعمى والذي يلقب (الجبش ) وسيد محمد وهؤلاء جميعا يغنون مع والدي .
*حدثنا عن الدعوات الدولية والعربية الموجهة إلى المنكوب ؟
-لقد كانت مسيرة والدي حافلة بالعطاء المحلي والعربي والدولي ومنها ،لديه اسطوانات في لبنان ومصر وإيران والكويت ،وهي حفلات موثقة بالأسود والأبيض وتسمى (كرامفون )أم الإبرة ،وهي دعوات تسجيل ومكاتبة مثل شركة (الجقمقجي ) بيضافون ،ولا يستطيع أن يسجل الأغاني لدى شركات أخرى ،أما بخصوص الأجور التي يتقاضاها فهو الذي يحددها ،ما عدا أجور الفرقة الموسيقية والتي تتضمن فالح حسن على آلة الكمان وجبار الخياط على الإيقاع وعبود بدن على الرق ،،واغلب تلك الأغاني كانت على إيقاع (أحميد )والسبب أن تلك الحفلات تكون ارتجالية وقصائدها تكون على نغم المقسوم أو الجورجينا .
موقف السلطة البعثية
كانت العلاقة ما بين والدي والسلطة البعثية متوترة ومشحونة ،لأنه وكما كان يقولها غير مرتاح إليهم ،وغنى قصيدة ،أين الملوك ياعبود ويقصد بها صدام حسين ،وفي إحدى الحفلات التي كان يقيمها قرب مركز شرطة الرافدين /منطقة الجوادر بمدينة الصدر حاليا لحفلة زواج احد أبناء عشيرة كنانة سنة 1982 وكنت عازفا حينها معه على الكمان ،وبدأ بالغناء وأثناء الجلسة كان من ضمن الحفلة عدد من البعثيين ،وقد طلبوا منه الغناء عن الحزب ومدح قائدهم لكنه كان يرفض رغم خطورة الموقف ،حتى انه غنى ومن تأليفه (شخذ منها ابن قاسم من بناها )،فبدؤوا يرسلون إليه قصاصات الأوراق ،(انته شيوعي ما تصير لك كل جاره ،خلص ونحن نتحاسب بعدين )،وفعلا بعد انتهاء الحفلة جاءت سيارة دورية الأمن ،فاستجوبوا والدي ،(أنت ليش تتهجم على حزب البعث ،فقال لهم : ما معقولة عشيرة كنانة عازمتني واني أتهجم على الحزب بفلوس العشيرة )،على أية حال أخذوه إلى منطقة (الكرنتينه ) وكان الخفر عقيدا بالشرطة فقال :اشعنده هذا الرجال المعكل هنا ، فقالوا له انه المطرب سلمان المنكوب وقد كان يغنى بحفلة يمدح فيها عبد الكريم قاسم ،،فقال العقيد لوالدي (أنت ليش تمدح بهذا الأغبر ،فقال له والدي :عبد الكريم مو اغبر ،الأغبر اللي ينام بحضن أمه ،هذا الرجل جاء بثورة 1958 وحطم بها القيود عن العراقيين ،ويضيف والدي قائلا :إن العقيد بدأ يضرب بالعصا على رجله ،متأملا ماذا قال له) ،فأمر العقيد بسيارة وأوصلوه إلى بيته معززا مكرما ،ثم قال العقيد لضابط الشرطة :نحن بعثناكم على ناس متآمرين وليس على مطرب ،فقالوا له سيدي الأوراق في جيبه اخرجها واقراها ،فلم يجد عقيد الشرطة ما يثبت تهجمه على الدولة والحزب ،سوى الأوراق التي كانوا يرسلونها إليه ،وبالتالي كانت هذه الأوراق دليل البراءة له ونجاته من هذه المصيدة .
*نعود مرة أخرى لموضوع الكاسيتات، هل كانت وسيلة لانتشار شعبية المطرب، أم أن الإذاعة لم تسمح لوالدك بالغناء وتسجيلها ؟
-المطرب داخل الحسن ،كان كثيرا ما ترسله الإذاعة إلى والدي لغرض تسجيل أغانيه ،وهو يرفض ويقول له :اني ابن هذه الجلدة الفقيرة ،وارفض المدح لحكومة ظالمة وهو أول يطلبونه مني لتسجيل أغانيي ،وانأ صاحب مبدأ ،لأنه كانت له ميول للحزب الشيوعي ،ويقول عن المطربين إنهم كالفاكهة كل له متذوقوه ،ولم يحاول أن يغني أغنية لمطرب آخر،ولم ينقدهم أيضا ،ما عدا الثنائية مع داخل الحسن لمجموعة اعمال منها (يمه يايمه وتانيني ريض وخلي أعاتبنك ) وأغان كثيرة ومتنوعة .
*للمحامي طارق العكيلي علاقة وطيدة مع والدك ،ما السر وراء ذلك ؟
-كما تعرف، كانت وسائل الإعلانات قليلة أو مفقودة ،وبحكم أن المطربين يمثلون جزءا منها وبالجانب الصحيح ،في نقل قضايا الناس وسط تخبط في إقرار الحق ونصرة قضاياه ،وبناء على هذا فإن المحامي طارق العكيلي استخدم شعبية والدي وصدى أغانيه المؤثرة بين الناس ،وتربطه ووالدي علاقة صداقة حميمة .
أغانيه وجوانب الإصلاح الاجتماعي، *استخدم فيها لغة تعتمد على جانب الإصلاح الاجتماعي، ماذا كانت تمثل هذه الخطوة لديه وكيف يتعامل معها ؟
-سأورد إليك قصة أغنية ،والدة زعلانة مع ابنها ولم يزرها بحدود عشر سنوات ،حتى بالعيد ،فجاءت هذه المرأة الكبيرة إلى والدي وقصت عليه الحكاية ،فقال لها ما عليك إني أخليه يزورك ويعتذر منك ،وجاءت ولادة أغنيته والتي يقول فيها :
إلك حفنة سنين
عن عيني بعيد
لا بجمعه تمر
عليا ولا بعيد
لو أشوفك
عمرلي يرجعلي
من جديد
انسي أيام الهجر وانسي الأذية
ويكمل الأغنية بمقطع أكثر حنينا فيقول فيه :
ذبلن جفوني عليك من السهر
والفيافي باضن وقل النظر
إذا بضلعي وضلعي بجفاك انكسر
وعلى فركاك بعد ما لي قابليه
زيارة الوفد الهندي
والدي كان بحارا (كابتن ) بالأربعينيات ، وهو يتكلم أكثر من لغة ،ومنها الألمانية والفارسية والتركية والهندية ،بالإضافة إلى إجادته التامة للغة العربية الفصحى ،وقضية الوفد الهندي حدثت سنة السبعينيات ،انه كان يروم تكريم والدي وإبداء المساعدة له ،فبدؤوا بالحديث فيما بينهم وباللغة الهندية ،على إن هذا المطرب وضعه المادي تعبان وخصوصا بسماعهم لقب المنكوب !ولابد من مساعدته ،وكان من بين الحضور السفير الأردني ،ففاجأهم انه يتكلم بنفس لغتهم ،وقد سجل أيضا حينها أغنية وباللغة الهندية من كلمات الشاعر عباس الخياط ،وهي عبارة عن مطاردة شعرية (فاكهة وموسم كطفها )ويترجمها إلى العربية والبسته الثانية بالهندي و بعث بنسخة منها إليهم ،وعنده أيضا تسجيلات وباللغة الفارسية وضمن اسطوانات محفوظة لدينا أيضا .
دور المطرب عبد الزهره مناتي
كثيرا ما كان المحامي طارق العكيلي يقيم الحفلات الغنائية ،ويحضرها ضباط بالأمن والمخابرات ،ووالدي يرفض تلك الدعوات ،والتي يحضرها من مطربي الريف عبد الحسين اللامي وعبد الزهرة مناتي وسعدون جابر ورياض احمد وآخرون ،وفي الأيام الأولى لحكم احمد حسن البكر ،أرسلوا عبد الزهره مناتي والشاعر جودت التميمي إلى والدي وهو بالبصرة سنة 1968 ،وكان حينها مدير إذاعة القوات المسلحة الفنان راسم الجميلي ،فقالوا لوالدي وبأسلوب التهديد (إذا ما تجي تغني بالإذاعة نجيبك بالقوة )هذا الكلام عن لسان الدولة حتى نكون منصفين بقول الحقيقة ،وبعد مفاوضات طويلة اقنعوا والدي بالحضور للإذاعة ،وتم حجزه ثلاثة أيام ومنعوا عليه الخروج ،وهذا يعني الإقامة الجبرية ،وكان مدير الإذاعة العراقية العامة حينها محمد سعيد الصحاف ،فقال لوالدي :أبو داود بالنسبة إلك صوتك شجي وعندك مساحة صوتية واسعة ،وهذا الاستوديو محجوز إلك ثلاثة أيام ،وكانت بوقتها أغنية للمطرب فاضل عواد (لا خبر لا جفيه لا حامض حلو لا شربت ) وكتب والدي وهو محجوز بالإذاعة حينها ردا على هذه الأغنية (شيفيد شربتهم يافاضل لو ودوا) ،وبعد إكماله الثلاثة أيام خرج والدي من الإذاعة وأعطوه مبلغا قدره 180 دينارا وهو كبير في حينها ،أي ما تعادل(11 أغنية ) و قابله الصحاف قائلا له :أستاذ سلمان اني أريدك أن تنتمي للحزب عن طريقي ،وبعدها شتريد من تسهيلات فنية ودعم مادي احنه ما نقصر وياك أبدا ، فقال له والدي (إن شاء الله سأزورك بعد فترة
) فتركه وغادر الإذاعة ،الا أن الصحاف لم يترك والدي فأرسل إليه وقابله مرة ثانية وقال له :سبق وان دعيتك للانتماء إلى الحزب وما رجعت لي جواب، فقال له والدي :أستاذ أبو زياد بالنسبة إلي وكما تعرف انا فنان ،وعندي إقامة حفلات مستمرة مرة بالبصرة وأخرى في ديالى وثالثة خارج العراق ،والحزب يريد التزام وتواجد ،وأرجوك أن تعذرني ،وعلى اثرها أعطوا إليه (باج )يسمح بموجبه لوالدي بالدخول للإذاعة في أي وقت وبتوقيع الصحاف ،وبناء على هذا الموقف ترك الإذاعة ،وحتى الأغاني التي كان سجلها وتبث أيضا تم توقيفها ،بالإضافة إلى منع ذكر اسمه بالبرامج الريفية الغنائية ومنها برنامج ديوان الريف .
عقوبات بأثر رجعي
بعد ان اصبح الصحاف وزيرا للاعلام التقيت به لغرض حصولي على هوية نقابة الفنانين وكان نقيبها داود القيسي ،الا انه رفض بحجج واهية وضعيفة منها بأنني لست خريجا من معهد الفنون الجميلة ،وآخر كلمة قالوها لي :لأن أنت ابن سلمان المنكوب لا نعطيك هوية ،وللعلم عندي تسجيلات بالإذاعة سنة 1999ولمدة ساعتين في برنامج سوالف وطرب يظهر فيها إنني عازف على آلة الناي وبصحبة مطربين أمثال رياض احمد ولميعة توفيق وحتى للمطرب داخل الحسن ،وكثيرا ماكنت اعزف لوالدي لأنني افهم ما يريده من جواب النغم أو الانتقالة إلى مقام آخر..
*وسط هذا التراث الغنائي الكبير، ماذا تمثل إليك هذه التركة، وما هي علاقته بسيدة الغناء العربي أم كلثوم ؟
-لا شك أن التركة الفنية والغنائية لوالدي مدعاة فخر واعتزاز لي ولكافة محبيه وعشاق صوته وفنه الأصيل ،لما امتاز به والدي بطريقته بالغناء من حيث اختياره كلمة الحكمة والموعظة والإرشاد ،وهو القائل (حرض بنيك على الآداب بالصغر ،كيما تقر به عيناك بالكبر )،أما عن علاقته بالسيدة أم كلثوم فلقد التقى بها في مصر ،وسمعت أغنية المنازل ،وقالت في مجلة الشبكة لسنة 1970 (أتأثر كلما أسمع أغنية المنازل لسلمان المنكوب ) وهو يستمع دائما إلى الموسيقار محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي والى الملحن محمد جواد أموري والموشحات الأندلسية ، وانأ كذلك على نفس هذه الطريقة ،ومعظم أنغام أغانيه كانت عن طريق الاستماع والحفظ ، وعندي أرشيف كامل يحتوي كافة أغانيه والهدايا التي قدمت له ،ونحن من عشيرة العواشق وأصولنا ترجع إلى ربيعة .
جوانب شخصية
لم يتأثر أحد من افراد عائلتنا أو حاول تقليد والدي ،حتى داود فهو رجل دين وبعيد عن الساحة الفنية ،وكان متأثرا بجدي الشيخ غلام علي السالم ،وهو خطيب منبر حسيني ،اما انا فلقد تأثرت بالوالد لأنه كثيرا ماكان يصحبني معاه وكأننا أصدقاء ،واذكر انني كنت بالفيلق الثاني فرقة 16لواء 603 في نهر جاسم وكان الموقف خطرا جدا هنالك ،وقلت لوالدي :اني بعد ما التحق بالوحدة العسكرية ،فذهب إلى الشيخ علي الدحام العبيدي وبعلاقته الواسعة مع الشيخ أنور العاصي بمنطقة الحويجة ،زودني برسالة إلى عبد مطلك الجبوري فتم نقلي إلى مقر الفرقة وبدون بديل ،وكان الكثير من القادة يتفاعلون مع أغاني والدي،ويمتاز أيضا بسرعة البديهة والنظم السريع للقصيدة ،فقد كتب 62 شطرا من الشعر وبدون نقاط ،وهو املائي وارتجالي جدا ،وتوفي بتاريخ 2/سبتمبر /2011 في مدينة الصدر ،وأشهر أغانيه ،أمرن بالمنازل ويا هضيمة وبيك التعب ضاع ،والكثير من الأغاني الجميلة والتي ما زال الجمهور يستمع إليها ،تزوج والدي إحدى عشرة مرة ،وقد أنجب 43فردا ،.
بكاؤه على فراش المرض
لقد غنى الكثير من المطربين لوالدي منهم وكما قلت لك قحطان العطار ورياض احمد ،وحتى المطرب حسين نعمة قال في لقاء تلفزيوني معه قال عن والدي :انه إنسان مثقف ومطرب ريفي له الحضور الواسع والكبير ،وفي آخر وصية قبل ان يتوفى قال :بما املك من أرث غنائي متبرع به لأي شخص ،سواء كان شعرا أو أغاني ،وانا لا استطيع ان امنع أي شخص من تلك الوصية لقد كان كريما ….
وفي آخر لقاء أجرته معه قناة الحرة قال :اشكد كان طاغي صدام ومجرم ،بس أهون من الاستعمار لأنه يولد النعرات والطائفية ويفرق بين الأخ وأخيه ،وهذا السبب الذي جعل والدي يبكي في هذا اللقاء،وعندي أرشيف يتكون من 1200 كاسيت منها جلسات لعوائل شخصية لا يمكنني الكشف عنها ابد بحسب وصيته ،وآخر أغنية كانت له أحفظ لسانك أيها الإنسان ،لا يلدغنك انه ثعبان
قصيدة السواعد
قصة هذا البيت من الشعر طويلة ولكن سأختصرها إليك ،شاب من عشيرة السواعد يعشق فتاة من عشيرة ثانية ،ورغم الطلبات التي تقدم بها لتزويجها إليه الا أنهم رفضوا ،فجاء إلى والدي وطلب منه قصيدة تجعلهم إذا سمعوها يوافقون ،فقال :
بعد للحين أزامط بس أواعد
والك مديت جفي والسواعد
نخيت دليم كله والسواعد
عسى يلين كلب أهله عليه
والنتيجة والحمد لله تمت الخطوبة والزواج وهو الآن من أصدقائنا الكرام .
مناشدته لعبد الكريم قاسم (أبو دعير )
على ما اذكره من والدي انه كثير التعلق والمحبة للزعيم عبد الكريم قاسم ،وحدث ذات مرة لقضية شخصية ان والدي قد حكم عليه بالسجن مدة عشر سنوات ،وجاءت مرحمة أو كما تسمى الآن العفو ،ولم تشمل والدي ،وحينها كتب إليه مخاطبا إياه :
كلهه طلعت بس ترى المنكوب ظل
أظن توفيقي ياخوي بيه عطل
ووصلت هذه الأبيات إلى عبد الكريم قاسم وشمله بالمرحمة بالتوقيع بالقلم الأحمر ،ولم تدوم فرحته ،بل كانت هذه الأبيات دليل إدانة لوالدي بعد الانقلاب المشؤوم الذي حدث عليه ،وعلى اثرها نقل إلى سجن بعقوبة ,وتمت إعادة محاكمته بالبصرة بل وشدد الحكم عليه ،لم يكن يحترم البعثيين ،ما عدا لطيف نصيف جاسم لأنه كان محبا
لصوته وغنائه.
أصل تسميته بالمنكوب
في سنة 1954 حدث فيضان في العاصمة بغداد وبضمتها منطقة الوشاش والتي كان يستوطنها والدي بعد رحيله من محافظة ميسان سنة 1940 ،وقامت الدولة ببناء بيوت سكنية آخرى لهم وقد أطلقت تسمية (المنكوبين )على تلك المنطقة ومنها انطلق اسمه ،وقد كان قبل ذلك يسمى سالم العماري .
وبرحيله ترك فراغا بطريقة أدائه، والتي لا يمكن لأحد ما ان يقلدها، لأنه كان عفويا في لحنه واشعاره، كما أضاف طورا خاصا سمي باسمه (المنكوب ).
ياهضيمة اللي ما مرت عليا مثلها كل هضيمة
عاصفة ومترب وكته ومطر ماكو بطرك غيمة
طلع من سباح كلبي ومن كبر ذبني بجحيمه
الناس دوم الظاهر اله
وما دروا باليخفي ظيمه
ذاك من ذاك
اللي يخلي الشرف شيمه
ولو سمع جلمه شريفه
يغضي عنها
ولو سمع جلمة غبره يجملها ظليمة
(وجلمتك )الأخيرة ماذا تقول بها ولمن توجهها :
أقول للدولة بأن عائلة سلمان المنكوب بدون أي راتب تقاعدي ،وهو الذي افنى عمره في خدمة الفن العراقي الأصيل ،وليس من الأنصاف والمروءة بأن تبقى عائلته بدون مورد اقتصادي يسد بعضا من حاجاتهم ، وكما أشكركم على حواركم الممتع والجميل وسلامي إلى كافة العاملين بالجريدة وتحياتي إلى كافة محبي سلمان المنكوب .









