كتاب الحقيقة

أم كلثوم.. روايات ظهيرة الحرب

نعيم عبد مهلهل

 
الجزء الثاني
كنا نتنفس مع تلك الروايات والذكريات رائحة النهر وتأمل ما بقي من خربشات ذكريات تدونها الأيام على دكات جسر المدينة ، السوق ، حوانيت بيع الحمام وطيور الكناري وصاحب فرن الصمون وسيارات الفورد الخشب التي كانت تنقل ذهولنا وحرارة أجسامنا المرتفعة من القرية إلى مشفى المدينة.محطات لايسعنا إلا أن نتوقف عندها فيما سائق الحافلة يصفر بطريقته الخاصة وكأنه يُعيد ترتيب لحن الأغنية كما يراها هو بهوس فطريته ولوعته وتجربته مع الصوت الشجي. عالمنا الذي نتشكلُ منه ويتشكل منا في قدرية العيش مع كل ما حولنا ، وربما بيئة الحرب ومناخها ظلتْ تحوم على تلك القدرية في تلاصق وتعايش واحتدام فكان علينا أن نقصَ تفاصيل تلك اللحظات ونتحدث عن خوفها وحزنها وجمالها ورهبتها وأغانيها ، وكل الذي يروى كان شهادة لسيرة ذاتية لحياة الجنود في الجبهات أو في مرح الإجازات أو صمت النعوش أو في لذائذ تخيل النساء أو دهشة الإنصات لصوت أم كلثوم وهي تدفع الى عنوان روايتكَ الجديدة أغنيتها الساحرة الموسومة ( أنا في انتظارك ) لترغمكَ أن تعنون الفصل الأول من رواياتكَ : أنا في انتظارك ..خليت قلبي في قنينة عطر..!   هذه الأغنية لم يكتبها شاعرها إلا في لحظة لم يعد يعرف فيها أنه يعيش أمْ لا…؟وعندما غنتها أم كلثوم قد لاتدري أنها ستغني بعدها شيئاً جميلا من بعدها أو لا …؟ أنها أغنية انتظار الافتراضات التي تلمُنا في جسد المشتهى المسكون في حس الخيال المتذكر لفتنةِ ألف اشتياق وعاطفة وهدوء ..فتحولنا في لحظتها إلى شظايا لامعة نسبح في فضاء الروح الملتهبة في الاشتياق الغامض .تأخذنا الانفعالات وتغطينا شراشف الصورة الشهية التي نتخيلها مع أوضاعها كاملة لنسبح كما كائنات أساطير ديزني وأندرسن وملاحم الفينيق وبابل ونتحول في لجة الغرام والصوت وثمالة سائق الحافلة وآمال زوار الأضرحة والدموع الهاطلة من أجفان شهداء الحروب في نعوش هزازة كوتر الكمان أو مهد طفولة أو أرجوحة في واحدة من قيلولات عبد الرحمن منيف وهو يكتب فاصلته القصيرة المدهشة ( قصة حب مجوسية ) أو تلك الرعشة المقرؤة في متعة البرد في شتاء الثلج الشمالي والمواقد مشتعلة وعيوننا تتناقل في لذة الإعجاب قراءة قصة ماركيز الساحرة : آثار دمكِ على الثلج..! تجعلنا أم كلثوم وهذه الأغنية نكتب وكل سياقات الهوس فينا .إننا نبحث عن وجودنا ضمن فوضى هائلة من التواريخ جوع وثورات وحروب وقياصرة وأنبياء وقدسيين وأمهات لاأحد يكشف لغز العشق والجوع مثلهن حتى لتتأكد أرواحنا إن هيمنة الوعي لصناعة حلم يريح أعصابنا لا يمكن يتحقق إلا من خلال سماع أغنية جميلة تصنع غرامها بطريقتها الخاصة وتمنحنا القدرة لنكون أكثر هياجا من مارد خرج من قمم ألاف الأعوام من السبات ليجد حورية عارية امامة وتناديه : تعال ، أزرع وحشة كل ليل القمقم في جسدي . فتراه والأغنية تصدح بالهيجان الساحر ليزرع قبلاته الشريرة في كل مناطق جسدها . شريرة ولكن لاعذوبة تلامس عذوبتها .أنها رحيق بهجة الحرمان .حرمان الأجيال والحضارة والصراع الطبقي وما كانت أفلام مارلين مونرو وهند رستم وبرجيت باردو تفعله فينا . يقول كافافيس : يالمتعة الصوت وهو يتلذذ بالبحث عن مرقدٍ لجسد ..! أردد عبارة الشاعر الاسكندري …وامزجها بصوت أم كلثوم وأذرف دموعا وقبلات من اجل امرأة هناك تقرأ رواياتي أيام جندية الحرب وتسبح في بحيرة العطر الذكريات….!
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان