ثقافية

إنشائيّة الخطاب و"المدلول الدرامي" في قصيدة "زوربا"

 الناقدة والتشكيلية التونسية: خيرة مباركي

 

 لأنّ خصوصية اللّغة تجعل من هذا النص نصّا متكتّما، مراوغا تحكمه السياقات والعلامات اللغوية.هنا قد تطرح مسألة الشّعر واللاّشعر ولعلّنا نفيد من تلك المقارنة التي عقدها جان ميشال ادم J.M.Adam اعتمادا على ما حدّده  جون كوهين J.Cohen حين اعتبر أن لكلٍّ استراتيجيّته وخصائصه التعبيريّة بفضل ما أوتي من كثافة وميل إلى الغموض ومخاطبة الوجدان على خلاف اللاّشعر الذي يتّصف بالحياد والوضوح يعانق الفكر ويرنو إلى الإبلاغ .وحين يكتب الشاعر فلأنّه يجافي المنطوق العادي من اللّغة من ناحية و يسعى إلى إنشاء خصوصيّته الإبداعية من ناحية ثانية . ولعله أمر نلمسه في شعر الدكتورة سجال الركابي فنحن مع لغة خاصة في نصها “إيه زوربا.. أخشى الخسران ” ،فعل كلامي يتجه اتجاها مختلفا في مستوياته التركيبيّة والإنشائيّة التي تنطلق من خصيصة قد تكون مألوفة لكنّها تتميّز في الفعل الشعري ليتشكّل عبرها العمل الذهني الذي ينقل التجربة الخاصّة إلى فعل إبداعي فتمارس بذلك اللعبة الشعريّة من داخل الصورة الفنّيّة .إنّها ممارسة للخلق والابتكار لا ممارسة للتّمثيل الذي لا ينفذ إلى عمق الأشياء وعمق الوجود المتجلّي والعواطف المهزومة في ذات الوقت وهاهنا قد نستحضر رأي أدونيس حين ميّز بين عالمين في التجربة الشّعريّة ، عالم ينتهي عند حدود التّمثيل من خلال تجربة نمطيّة . وآخر يتجاوزه إلى إعادة البناء والخلق من خلال تجربة رؤياويّة تصويريّة وفي هذا السياق الإبداعي يمكن أن ندرج تجربة سجال الركابي في هذا النص . تجربة ذات مدلول درامي تعتمد على جملة من المقومات تشكّل الصورة الفنّية فتغدو شكلا من أشكال ترميز الوجود وتكثيفه من خلال التذكّر والاسترجاع لمعطيات حسّية قد تكون مجرّد وهم يتراءى للشاعرة ليتشكّل عبره المشهد السينمائي الذي يظهر شريطه في لمحة خاطفة أشبه بتفعيل كيمياء الذهن حتى ينطق بما سكت عنه الوجدان ليكون الخلق والإبداع خلقا وإضافة وليس فقط مجرد محاكاة للواقع وتكرار له عبر التذكّر السّلبي . وتجدر الإشارة في هذا الصّدد إلى التمييز بين شكلي “الخطاب” Discours والحكاية Récit قائم على التقابل بين ماهو داخل الحكي وماهو خارجه Homo heterodegetique  وهذا ما يحيل على التمييز الذي أقرّه جينيت Genette في موقع الرّاوي بين أن يكون خارج التّخيّل Extradiegetique  وبين أن يكون حاضرا داخله intradiegetique  ثمّ في مستوى علاقة الرّاوي بالحكاية التي ينقلها بين الغياب Heterodiegetique وأن يكون المتكلّم شخصيّة من بين شخصيّاتها Homodiegetique وهاهنا في نص “إيه زوربا ..أخشى الخسران ” الشاعرة راو داخلي intradiegetique وفي نفس الوقت هي حاضرة في الحكاية التي ترويها ولو حضورا مفترضا مبنيا على أساس الاحتمال والتّخيل . باعتبار أنّ الحكاية بمثابة الومضة السينمائيّة التي يعرض شريطها في ذهن المتكلّمة في لحظة آسرة تسعى من خلالها إلى الانعتاق من قيود الواقع . وأوّل مظاهر ذلك ، البعد “السينوغرافي” الذي ظهر بجلاء لاحتضان المشهد و يشمل مستلزمات التكوين الفنّي للصورة المشهديّة ومظاهر تنسيق الفضاء والتحكّم في شكله بغرض تحقيق رؤية ذاتيّة ومن ثمّ رسم التّصورات من أجل إضفاء معنى على “الفضاء المشهدي” espace Scenetique :

    قبل المنعطف الأخير بوهلة 

    والجهات السّبع غشّاها خمار 

    فركت غشاوة قلبي 

    كان الضوء يكتسح الفضاء  

    أقواس المطر يدا بيد تدور 

  قد تطالعنا صورة تتشكّل في الذّهن ،هي صورة المنعطف بين جهات سبع ومكان مضاء تغزوه أقواس المطر .. مشهد يكشف عن خصوصيّة المكان كإطار للأحداث ولكن يقيننا أنّه ليس هناك مكان غير متورّط في الأحداث. وأول مظاهر حضور هذه الورطة حين ترتبط به الشخصيتان وهما المتكلمة و”زوربا” باعتبارهما الحاليّن الافتراضيين في هذا المكان بكل خصوصياته الوجودية والشعرية الفنية . ومنهما ينبني “الدّرامي” فكل منهما يمثّل الدّال الصّوتي والخطّي بحضور النبرات الصّوتيّة في المقاطع الدرامية باختلاف درجة الحضور وطبيعته، فنجد منطوقا ناطقا بذاته وهو المباشر وبألفاظه (صوت الشاعرة) ومنطوقا ناطقا بغيره وهو المسرود المنقول (صوت زوربا) في نسق تداولي بين الطرفين ،بين ملفوظ الشّاعرة :

      إيه زوربا ..أخشى الخسران 

وملفوظ “زوربا” على لسانها :     

      وأنتَ تناديني :

       تجرّدي من غيوم الغموض 

       أتركي سفوح القطيع 

       تسلّقي شلاّل الاندحار 

       راقصيني وانبلاج الغد

       نزهر ربيعين 

       بعد فوضى 

       الجفاف 

       ورمد 

       البلادة 

ليعود خطاب الشّاعرة :

       إيه زوربا..انتظرتكَ

      أين كنتَ ؟ 

   وهاهنا يتشكّل زمن مشهدي دائري وتطوّري يتّسم بالتقريب بين شخصيّات متباعدة زمانيّا ومكانيّا فشخصية زوربا استلهمتها الشاعرة من رواية “زوربا اليوناني” للكاتب “نيكوس كازانتزاكيس” Zorba the Greek by Nikos Kazantzakis  .ليكون الصّوت الآخر الصّامت المسكوت عنه لأنّنا لا ندرك ملامحه إلاّ من خطاب الشاعرة بهذا يتشكّل الخطاب الشّعري على الحوار الدرامي الذي ينطوي على اللّوم تارة والشّكوى طورا تحاول من خلاله أن تعطينا الشّاعرة بعض الملامح التي قد تخدم البعد السّينوغرافي في النّص فتشكّل ملامحه الكوميديّة التي تجمع العنفوان والجرأة بالضحكة المتهوّرة حد الاغواء .في المقابل تتشكّل صورة المتلفّظة ذاتا مأساويّة وبقايا انسان ملتصقة على عتبة الدار انتهت صلاحيتها :

   من سقف غرفة نومي 

   جوازات انتهت صلاحيتها 

   قلب شفّ من سحق اللاّمعقول 

  قد نقف في هذا السياق إزاء ضرب من التقابل في صورة المتلفّظة وهو تقابل بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون تعلنه لهجة التحسّر والخوف من المجهول لعلّها الاستفاقة على التاريخ العاصف والعمر المهرول في المجاهيل قبل المنعطف الأخير بوهلة ..هل تراها أضاعت العمر بين الكتب والثقافة والعلوم ؟ هل وعت بحقيقة وجودها الذي اندثر وسرقه منها الزّمن ؟ إنّ العالم الذي رسمته سجال الركابي هو العالم الذي هربت إليه .عالم “زوربا” بما فيه من مغامرات وعشق للحياة . وكأنّها تحاول الفرار من عالم المعرفة المخيّب وهي صورة تنطبق على بطل الرواية الأصلي “باسيل” الرجل المثقف الغارق في الكتب فينبثق الصراع كشكل آخر من أشكال الحضور الدرامي . وهو صراع داخلي بين الالتزام والحريّة ..بين الالتزام بضوابط المجتمع والخضوع للأعراف وبين العاطفة التي تظل دوما في مرحلة طفولة تهفو إلى الانعتاق وتتطلع للعشق الأبدي لأن القلب شفّ من سحق اللامعقول :

     تتسلّل من أكمامي طفلة 

    تقفز ضاحكة إليك 

    تتبعها أخرى وأخرى 

    يتناغمن ..بميلان يصفّقن معك 

    أكفهنّ الصّغيرة 

  هنا قد تتراءى لنا صفة أخرى لزوربا رسمتها الشاعرة رغبة وأمنية لأن صورة الطّفلة تتسلّل من الأكمام ليست سوى رغبة جامحة من الشاعرة لتبعث من جديد هي صورة البراءة والطبيعة في مرحلتها البكر التي لم تُدنّس أو الأحلام الطفوليّة التي تتملّص من عالم الواقع فزوربا محبّ للحياة يقبل عليها بكل جوارحه يطلق لروحه العنان فيجعل من الفطرة دليلا ليشكّل على أساسها فلسفته الخاصّة فحكمته الطفولية أروع وأصدق من حكم الفلاسفة وهاهنا ما تراه الشاعرة في زوربا ليس عشقا له أو لنموذج يمثّله ولكنّه عشق لعالمه الذي ترغب فيه .فهو يعيش الحياة بكل امتلائها وزخمها ، يحب الطبيعة والمرأة ويروي مغامراته الغرامية بحيويّة نادرة المثال ولكنّها معان افتقدتها الشاعرة هي نطقت بحكمة العقل ونواميس المجتمع، فظلت سجينة لذلك وهو نطق بحكمته الخاصة انطلق دون قيد بهذا ينشأ الصراع بين مطلق الإرادة وحدود الإمكان.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان