حوار – علي صحن عبد العزيز
*برأيك، هل أن الشعراء ما بعد عام 2003 لم يقووا على بناء وجودهم الشعري ،وبمعنى آخر أن وضعهم الأعتباري في الوسط الثقافي كانت تصنعه علاقاتهم الشخصية ليكونوا شعراء مهيئين لظرف خاص؟
-كانت ثمة كتابات شعرية تغطيها حجب العتمة ،أو ستائر الاحتجاب ،ويقيمون على ثوابت لم يغيرها زلزال الاحتلال ،بعض العتمة انقشعت لكن ستائر الاحتجاب ظلت كما هي ،من تصدى لمسؤولية المشهد الثقافي ،لم يكن حلمنا أن يكونوا هم ،العلاقات الشخصية لبعض الشعراء كانت من غير احتياط واجب ،كانوا يحتاجون لتمحيص من ألزمتهم علاقاتهم الشخصية أن يسيروا معهم ،ثمة شبهات ظاهرة وشكوك باطنة توجب الصوم مرة أخرى لمن يقدر ،نعم ظرف خاص تغيب فيه حصانة النفس ،هذا للبعض ولكن البعض كثير ،والضعف البشري يأخذ النفس من رخاوة زواياه .
*متى ضمنت الكتابة النقدية وجودها لتحظى بكسب آراء عميقة في المحيط الثقافي ؟
-أصلا هي موجودة ،الشاعر في افاقه المنطلقة يمارس دور الناقد من حيث لا يعلن ،إن التناول النقدي ليس بمستوى المنجز الشعري ،والمحيط الثقافي كسائر أوجه الحياة الاجتماعية ،له ما له وعليه ما عليه ،وبالنتيجة وفي الراهن يتراجع النقد لصالح المحاباة والأخوانيات والشللية ،لم يعد عالمنا للبحث عن الجديد وتقديمه وتأشير علامات الاضاءة العالية ومواضع الخفوت وعناصر الشموخ المشرئبة ونقاط الهبوط .
*يقال إن الحداثة ما هي الا تصفية حسابات لكشوفات الشاعر قبل أن يبدأ الكتابة الشعرية في بناء حداثي لأمراء اسمه في جدارية الابداع ، ماتعليقك على هذا الطرح ؟
-مفهوم الحداثة ملتبس ،تطور اللغة سنة طبيعية ،تموت مفردات وتولد أخرى ،أساليب الكتابة تتطور والشعر يتطور ويتغير من عصر الى آخر ،المهم أن الشعر موجود ،عدوان على الشعر واللغة أن يكون هذا الشعر هذيانا أو رصف كلمات ،بل أن نسمي بعضه أحرفا تلصق ببعضها شعرا ،من طبيعة الأمور أن يكون المكنون البشري في حفظ وصون لا يراه أحد ولا يطلع عليه أحد ،وعند الشاعر سيظهر هذا المكنون المكنوز الى الناس لغة تصوغ تجربة وتكتب أحلاما وتنسج تصورا ،لكن الثابت أن يكون الشعر شعرا بنغم يجذب المتلقي ،أن تكون فيه دلالات تدعو الى السير بتمهل لاكتشاف المكنون الذي بدأ يظهر ،لكن المكنون تجمله اللغة ،تنثر الورد حوله وتحيله بستانا فيه ينع مثمر وأخضر مورق ،لا فيه الغث ولا اللغو البائن ،جدارية الابداع تحتاج الخلود ،ولا خلود لمن يستهين بلغتهه الشعرية ،والحداثة تطور نحو الأثرى والأجمل ،لا نكوص ولا سير في وحل .
*في الواقع نجد أن عقد الثمانينيات رغم مأزقية هويته الشعرية ،فهو يمثل دالة في سيرورة تاريخنا الشعري بالموازاة مع اشتعال الثورة النقدية ازاء كل ما يكتب ،وسؤالنا هل كان الوزن الابداعي للقصيدة ينجز هذه المهمة ،أم أنهم فضلوا كتابة مشاريع انسانية وأجتماعية لتمحيص الواقع ،وما بين أخلاقية وأمانة الكتابة ؟
-مثل عقد الثمانينيات الرسوخ التام لتجربة محمود درويش الشعرية ،اضافة الى تجارب أخرى ،وعراقيا فإن هذا العقد سجل تواصلا بين الجيل السابق الذي رسخ التغيير ووصل الى غاية ما يريد اتصالا بجيل الرواد ،وتواصلا مع جيل الثمانينيات رغم أزمته العميقة ،وويلات النظام ،فثمة تجارب أعلنت عن نفسها وضوحا وصراحة أو بسير حذر ،أو بعض تنازل أو تنازل تام في علاقاتها بالسلطة ،وتجارب أخرى ظلت طي الكتمان وخلف جدران العزلة وحصون الذات ،وأحتمت تماما رغم الحيف الذي لحق بها وما زال ،لكنها حافظت على أمانة الكتابة ولم تضطرب و ترتجف ولم تتهور أو تتسخ وتتلوث ،بقيت ناصعة البياض محافظة على أمانة الشعر كمشروع انساني ووطني ،وبالنتيجة أجتماعي في اتساقه تماما مع الحقيقة.
*كيف لنا قراءة الكتابة النسائية ،وهل ترى أن هنالك تسريحات بنيوية على حساب جنس الشاعر وميوله ؟
-في حقيقة الأمر لم أطلع كثيرا على التجارب النسائية في الشعر النسائي ،باستثناء نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة ،وتبقى قراءات منفردة وبفترات متباعدة أحيانا وسماع بعض القراءات تجربة مواقع التواصل الاجتماعي ،هناك شاعرات جيدات يوسعن في آفاقهن ويتلمسن الوجع الانساني من باب أمومتهن وأنوثتهن ،ويسرن بخط صعود واضح الملامح ،هناك من يجدن فن الظهور والاعلان عن أنفسهن وكتاباتهن ويبحثن عن المنابر والمنصات الشعرية بغير عمق في التجربة وبدون امساك باعنة اللغة ،وهنالك وللأسف من يستخدمن لغة الجسد واباحية الصورة وغرائزية المعنى ,هناك من يخلصن انسانيا لأنفسهن لغاية الارتفاع بعوالم الشعر ،لكنهن يعانين من فقر التجربة الانسانية والتكوين الثقافي ،عموما وفي حدود معرفتي وباطار قناعاتي فلا تجربة نسائية بعد نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة يمكن أن تشرئب لها الأعناق ،نعم هناك مياه كثيرة تجري في غير سواقي الشعر ،لكننا نرى زوارق الشعر ومجاذيفه في تلك السواقي.









