ثقافية

شعرنة الحياة اليومية !! قراءة في مجموعة ( حياة في حقيبة ) للشاعر ( رياض الغريب)

عبدالسادة البصري

 

أن تُدَوِنَ يومياتك لحظة بلحظة ،، لهو البوح الكبير والمتسامي !!

وأن ترسم لحياتك خطّاً شاقولياً تارةً وأفقياً تارةً أخرى ،، لهو الانحياز الى اللحظة التي تخطفك بنظرة أو همسة أو ضحكة أو دمعة عابرة كي تترك الحروف تمارس حريتها المصطنعة على الورق !!

الشاعر( رياض الغريب) يرسم كل لحظة لوحة شعرية ، انه يقتنص اللحظات ، بل يبحث عنها بين مكامن الأيام والساعات والثواني كي يسمو بها على الورق مجسداً الحياة بكل تفاصيلها ، لم يترك لحظة فرح أو حزن تمرّ دون أن يسحبها اليه ليؤثث بها مستلزمات حكاياته اليومية ، والتي هي حياته ، بل حياتنا جميعاً :ــ

((بِمَ تُفكّر ..؟!

  لا شيء ..!!

  الطريق جميل هذا الصباح

  والرجل الذي يعبر مبتسماً

  رجل لا يفكّر

  والمرأة التي نسيت مكياج سهرتها 

  لا تفكر

  الطفل ينظر لوالده

  وهو يدس حياته بحقيبته المدرسية 

  لا يفكر

  الآباء الحريصون جدا على حياتهم

  لهذا

  هم دائماً يحملون حقائب صغيرة 

تُذكّرهم …. بالبلاد !! ))

وهذا ما قاله لنا في مجموعته (( حياة في حقيبة )) الصادرة عام 2015 عن المركز الثقافي للطباعة والنشر ، حيث يأخذنا برحلة عبر سلسلة من الحكايات والأحاديث بعضها نراه ونعيشه كل وقت ، حين نجلس أو نمشي أو ننهض أو نركض أو ننام …الخ ،يأخذنا مندهشين بما ينقله لنا من حياة الناس والتي هي حياتنا بالتأكيد :ــ 

(( أحتاج لشيء يليق بحياتي )) ص9

(( أولادنا خطأ فادح 

  ارتكبناه )) ص11

(( أعطني لحظة فرح

في تلك البلاد

 لأرقص )) ص12

انه يؤكد أن حياتنا خطأ نحن الذين ارتكبناه شئنا أم أبينا ، حينما جئنا اليها بدون أي إدراك بما سيؤول اليه وجودنا فيها ، وكررنا الخطأ نفسه مرتين وبشكل أكبر حين تزوجنا وأنجبنا أطفالا لا نعرف ولا يعرفون ماذا تخبئ لهم الأيام :ــ

(( إنها رحلة مجانية

تلك التي سنذهب بها

لا تخافي )) ص13

تدوين الحياة اليومية بهذا البوح الشعري المستفَز والمستفِز والذي يأخذنا مجبرين على أن نقف معه وعنده كل لحظة متأملين ما يرسمه الشاعر من عالم مليء بكل المتناقضات، لهو إشكالٌ صعب وشائك يرتكبه الشاعر ، إذ عليه أن يكون متحصنا ومتدرعا بكل أشكال اللغة و وأساليبها كي يستطيع النفاذ من كل خرم وزاوية وبصيص ضوء ليُشَعْرِنَ تلك اللحظات ويمنحها حياة أخرى ، وهذا ما فعله الشاعر رياض الغريب في كل قصيدة كتبها وسيكتبها لحظة بلحظة ، انه يجبرنا أن ننقاد اليه بلعبته اللغوية البسيطة كي نكون معه في الشارع والبيت والعمل والسيارة  نلعب نضحك نغنّي نرقص ونبكي في نفس الوقت ، لأننا عند القراءة نبصر حياتنا تمر كشريط سينمائي بلقطاته المتعددة وحكاياته التي لن تنتهي :ــ

(( قبل عام 2003

كانت الديوك عندنا

توقظ الأحلام والعجائز للصلاة

والقلوب الغافلة

ترتب ساعات الأرامل

والعاشقات دائما

كانت جدتي تقص علينا

ساعاتها

هذه الصيحة ،،للمرأة الحالمة

وتلك للمشتاقة

وتلك للمهجورة

حتى نغفو )) ص18

وهكذا نجد الشاعر لم يترك لحظة عابرة تمر دون تدوين ، انه يرسمها شعراً، بل فلما سينمائيا بمشاهد لن تمحى من الذاكرة أبدا :ــ

(( على أية حال

أنا هنا

مثل نعش سومري

لأبٍ يودع ابنه للمرّة الأخيرة

لحربٍ خاسرة )) ص23

انه يتابع صغائر الأمور وكبائرها كي يسجلها بدقة وبنظرة ثاقبة،، وهو يمشي يلتقط صورا ، وحين يجلس ، في السيارة يكتب ، وبين أصحابه يحكي ويقرأ ، في سفره هنا وهناك ، تجده دائم البوح ، وبوحه لم ينقطع أبدا، كأنه سيل متدفق ومنهمر ، لم تمر لحظة في يوم ما دون أن يُشَعْرِنَها ويتركها على الورق تغازل الآخرين بحكاياتها :ــ

(( في المدينة

هناك دائما مَن ينزعج منكَ

لأنك تسير مفكراً بقصيدة )) ص30

من أول كلمة في مجموعته التي ضمت بين صفحاتها الــ ( 95 صفحة ) من القطع المتوسط أكثر من ( 35 ) قصيدة ، بل لحظة يومية مقتنصة حيث يقول :ــ

(( أنحاز للرضا

أنا المنفي داخل وردة

أسميتها أنتِ

أنحاز لذكراك كما أنتِ

بريئة من ضيمنا )) ص5

وحتى آخر كلمة والتي نجدها في :ــ

((واضحة هي ملامحي

لذا 

متواصل مع الحياة

معك

حتى أصل )) ص95

نراه يسجل الحياة بكل تفاصيلها لقطة بلقطة ، كأنه  يحمل كاميرا خفية تنقل لنا وقائع الأمور أولا بأول بأسلوب شعري بسيط وجذّاب  وبلا تكلف أو غموض ، يدخل القلوب والعقول من أول قراءة بلا بحث وتقص بين غرائب الكلمات ، انه يتعايش مع الناس جميعا ، يقرؤه الإنسان العادي ويتفهم ما يريد كما المثقف من كل صنف ولون ، انه يكتب بسلاسة وتقنية عالية لفهم ما يريد أن يكتبه ، فقراته مرتبة والجمل كل حسب لحظتها، لن يتعبك بالغوص في معاني الكلمات والبحث عن مترادفاتها ، بل يعطيك الكلمة بوقعها السهل الممتنع لتدخل قلبك وعقلك وتتغلغل في كل مفردة من حياتك .رياض الغريب استطاع أن يدون حياته ويومياته / حياتنا ويومياتنا  في 35 قصيدة علّب بها حياتنا وكوّرها ليضعها في حقيبة نحملها على ظهورنا أنّى حللنا :ــ

(( ديكنا الجديد

الذي ولد بعد عام 2003 بسنوات

أضاع المشيتين )) ص19

انه منحنا الحقيبة التي لملمنا حياتنا فيها بكل مالها وما عليها !!!.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان