ثقافية

الشاعرة لارا ياسين … تحلق على جناح نورس

وجدان عبدالعزيز

 

 (تكلم هامساً عندما تتكلم عن الحب)، بينما لارا ياسين تقول : (وصوتُ يدي الدافئة تعالى/بلقائهِ معَ الأفقِ/على خدِّ الورقة) وبين همس شكسبير وصوت يد لارا المتعالي، يكمن صوت الحب، ويسكن اعماق الانسان بهدوءه المعهود … وحين اللقاء بشنبهور وهو يؤسس فلسفته الجمالية على الاحساس بالجمال في الفنون والطبيعة على السواء، ينتج عن تأمل الجميل دون المزج بين إرادتنا الذاتية ومطالبنا, بمعنى أن نتخلص من هموم الحياة ومشاغلها ونتفرغ للتأمل الجمالي الخالص، فهل الشاعرة لارا تستهدف الجمال لذاته، ام انها تمزج همومها وهموم الاخر في خليط الحب والجمال؟ .. من خلال كتاباتها وجدت عندها هذا الخليط ، ووجدت عالم الانثى ينكشف في حقل كتاباتها عن ذات حالمة، مدعومة بتجربة الحياة، التي لاتؤخذ من الاوراق، انما هي وجدان واشواق .. يقول ابن عربي إن “المرأة صورة النفس، والرجل صورة الروح، فكما أن النفس جزء من الروح، فإن التعين النفسي أحد التعينات الداخلة تحت التعين الأول الروحي الذي هو آدام الحقيقي، وتنزل من تنزلاته، فالمرأة في الحقيقة جزء من الرجل، وكل جزء دليل على أصله، فالمرأة دليل على الرجل”.. تقول الشاعرة لارا :

(حيثُ الموسيقى تعبثُ بالمكان

تحددُ لونَ زواياه

كانت أصابعي

تُزاوِجُ الأزرقَ بالأبيض

تركتُ نشوةَ الولادة تُحلقُ فوقي

وعلوتُ في متاهةِ الذّاكرة .

كلّما ابتعدت صهلَ الوقتُ مشبوقاً

من ساعةِ متدلاةٍ في السّماءِ المجعدةِ

صهيلٌ تواقٌ للغيابِ بعيداً

خلفَ الظّلالِ المُشردة ِ في المعاني

فوقَ كفِّ الحنينِ

ومن عينٍ ثالثةٍ

استفاقَ شيئاً فشيء

الضّوء

النّور

النّار

المدى ونشوتهُ

وصوتُ يدي الدافئة تعالى

بلقائهِ معَ الأفقِ

على خدِّ الورقة .)

ونلاحظ استغراق الشاعرة في مساحة البحث الذهني وحالة الاحلام، رغم اصوات الموسيقى، الا ان انامل الشاعرة تصنع من الحلم لوحة تضج بالالوان، ثم تقول : (كلّما ابتعدتُ صهلَ الوقتُ مشبوقاً/من ساعةِ متدلاةٍ في السّماءِ المجعدةِ)، واستغراقها في خضم دورة الوقت، لكن من عين ثالثة بدأ الضوء ينبعث شيئا فشيئا، يصاحب هذا صوت يد الشاعرة يتعالى باللقاء، الا انه في اي مكان اللقاء يتم ؟؟ يتم على الورق!، فالحلم وما تمخض عنه يتم على الورقة، وهذا يعكس مقدار ابتعاد وهروب الشاعرة من الواقع المر غير المرغوب فيه، فكان الملجأ الحلم والورقة، بحثا عن السعادة، التي هي شعور بالبهجة، المصحوبة بالرضا، حيث يتلاشى معها الصراع الداخلي، فتشعر بالطمأنينة. ويتحقق جزء من السعادة عندما تُشبع الحاجات، وتحدث التوقعات، وتغيب الصراعات. فالإنسان عندما يعاني إلحاح حاجاته، سواء الأولية أو الثانوية، يقلّ شعوره بالرضا على قدر شعوره بالحاجة، وينشب داخله صراع الاحتياج، مع إحباط الواقع وتأجيله للإشباع. وعندما تخيب توقعات الإنسان، يشعر بالفشل وعدم السيطرة الداخلية على الأمور، ومن ثم، بالإحباط وغياب السعادة، لذا تقول لارا : (صعدتُ جناحَ نورسٍ/خارجة إلى دهشةِ البدايات/للبوحِ الأوّلِ/أُفككُ اللغزَ في المرآة/مع ورقتينِ مِن قلبِ النّار/هناك بينَ يديّ/حيثُ المدى قطرةٌ/والصّدى حبةُ ترابٍ/وأنا النّبعُ/وماءُ القصيدة .)، وهنا حاولت تبديد حالة اليأس والاحباط من الواقع، بدفات تسير متخفية بين الاسطر، فـ(فى نظرية التحليل النفسي تعتبر الآليات الدفاعية استراتيجيات نفسية تقوم بدورها عن طريق العقل اللاواعى بإنكار الحقيقة أو تغيرها أو التلاعب بها من أجل حماية الشخص من الشعور بالقلق أو التوتر نتيجة الأفكار غير المقبولة، وحمايته من التهديد، ومن أجل الحفاظ على صورته الذاتية، ومن هذه الآليات المستخدمة في إنكار الحقيقة أو التلاعب بها أو إعادة تشكيلها: القمع (الكبت ) محاولة دفن أو إخفاء الأحاسيس أو الأفكار المؤلمة من وعى الإنسان، وهذه الأحاسيس أو الأفكار بدورها قد تعود لتظهر على السطح بصورة رمزية.)، وفي احيان وفي بعض اشعارها تصل لارا ياسين الى حد الهذيان، لتدل انها تحاول الاخفاء والتخفي بكلماتها، وكما اسلفت انها تهرب من الواقع، لكنها تصر على معالجة الامر من خلال افتراض الجمال وصناعة اجواء السعادة بقولها : (وبقدمينِ مدولبتينِ/ركضتُ في ذاتي/ركلتُ حجراً/وسرقتُ من أرقِ البارحةِ/ريشةً وليل/وانتظرتُ السّطوع)، وبهذا تتعكز على حالة الانتظار، الذي هو هم انساني وكوني …

قصائد (في غفلةٍ مني)، و(ذاتَ هذيانِ بحر) للشاعرة لارا ياسين.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان