ثقافة شعبية

سوق الشيوخ.. ماضٍ عريق وحاضر مشرق

فاهم وارد العفريت

 

 وبعد ذلك سياسيا، فاصبح التفكير باستغلالها جديا وامرا لابد منه ، وبسبب ماقدمه هؤلاء الشيوخ من اهتمام خاص بتلك المدينة الحديثة اصبحت مكانا مهما لادارة شؤون مشيختهم وكذلك مكانا مرموقا لاجتماعاتهم التي تطرح فيها الآراء لحل المشاكل او مناقشة امور المشيخة العامة، لهذا فسرعان ماظهرت على سطح العلاقات فيها المصالح التجارية والاجتماعية المشتركة التي جمعت شيوخ المنتفق مع اهلها وشيئا فشيئا اتسع ذلك النشاط التجاري ليولد علاقات اجتماعية جديدة مع مختلف العشائر المحيطة بالمدينة فجذبت اليها العديد من الوجوه العشائرية من شيوخ ووجهاء واصبحت مقرا للاجتماعات والتعارف بين هذه العشائر وشيوخ المنتفق فسميت بسوق الشيوخ، كل ذلك كان قبل عام 1761 م ولكن هذا النمو السكاني والتجاري لم يكن ضمن الاهتمامات الرسمية للحكومة العثمانية حتى ولاية الوالي مدحت باشا عام 1870 م حيث سميت رسميا باسم قضاء سوق الشيوخ وعين فيها اول قائممقام هو السيد حسين باشا …

هذه المدينة العريقة في كل شيء والتي تقع جنوب العراق وتغفو بين احضان الفرات جنوب خط عرض 32 ، كانت فيما مضى عاصمة امارة المنتفق لاكثر من مئة سنة منذ ان نسب تاسيسها للشيخ ثويني العبدالله  . بنيت المدينة فوق ذلك المرتفع الاثري السومري وكانت تضم في بادئ الامر اربع محلات سكنية فقط، وقد سميت باسماء الناس الساكنين فيها حينذاك فقد سميت المحلة التي يسكنها الوافدين من نجد والحجاز باسم محلة النجادة وسميت المحلة التي يسكنها الوافدين من بغداد وغيرها من المدن العراقية الاخرى باسم محلة البغادة وسميت المحلة التي يسكنها القادمون من مدينة الاحواز العربية باسم محلة الحويزة، بينما سميت المحلة التي يسكنها تجار السوق وبعض الوافدين من الارياف المجاورة باسم محلة الحضر … منذ تاسيسها الرسمي عام 1870 م وسوق الشيوخ تنهل من اديم تلك الارض التي صنعت الحضارات ذات يوم حينما سطر السومريون في الواحهم فجر الحرف الاول ليشع بعد ذلك على العالم باسره بنور العلم والمعرفة .. مر بها العثمانيون واقاموا فيها مئات السنين ومر بها الانكليز ومر بها الكثير من القادة والزعماء والوزراء وشيوخ القبائل والعشائر والادباء والفنانين…و..و.. ناس كثيرون جاؤوا ثم رحلوا بصمت رغم كل ماقدموه من اثار شاخصة ولكن الفرات في سوق الشيوخ هو سيد المدينة فالماء هو اصل الحياة، وكما قال عز وجل ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) لذلك اصبح الفرات والانهار المتفرعة منه والاهوار هو القلم والدواة التي تكتب عن تاريخ سوق الشيوخ هذا التاريخ الضارب عروقه في عمق الايام والسنين والاحداث التي تعمدت بذلك الماء الطاهر .. كتبت عن الانكليز وعن ثورة العشرين وعن ثورة 1935 م كتبت عن الانقلابات العسكرية والحكومات المتعاقبة التي اوجدتها كتبت عن الحروب والقتلى وكذلك المجازر التي شهدتها تلك الارض خاصة عام 1991 م اثناء انتفاضة اذار .. الفرات سيد المدينة، ليس لانه يهب البساتين خضرتها والورود نضارتها والافق جماله والاهوار روعتها والنخيل شموخه والارض بساطها الاخضر الجميل انه يحتضن كل تاريخ سوق الشيوخ حضرها وريفها وبيدها منه اخذ رطب وتمر نخيله حلاوته ورز العنبر نكهته منه اخذ الشعراء كلمات قصائدهم والابوذية ومواسم الرحيل بين الاحباب كهجرة طيور اهواره، لذلك نبعت من ابجديات هذا الماء اطوار الغناء الريفي المعجون برائحة الهجر والرحيل وعناقيد الدموع المتدلية فوق وجوه الفقراء ومواسمهم العابقة، بالاحزان سوق الشيوخ ابتسامات النخيل وهو يمشط عذوقه رطبا جنيا بين افواه الناس الطيبين سوق الشيوخ عبق المدن المقدسة في اور والمعابد وابتهالات الآلهة سوق الشيوخ سيمفونية الماضي ورائحة القهوة ورنات الهاون واحاديث الدواوين ونسيمات القصب والبردي وهي تتراقص جذلا مع زقزقات واصوات طيور الماء المتنوعة التي تطبع قبلاتها فوق مياهها وخضرتها، سوق الشيوخ اريج المضائف ومواويل الجنوب وحروف ابيات الابوذية وهي تغازل بصمت همسات العاشقين بين جدائل البردي سوق الشيوخ مدينة الشعر والشعراء مدينة الادب والثقافة والفنون تحتضن اليوم المئات من الاسماء اللامعة في مجالات الشعر والقصة والرسم والمسرح والفنون والاداب الاخرى ويوجد فيها العديد من المرافق الثقافية مثل التجمع الثقافي في سوق الشيوخ والمركز الثقافي والبيوت والمجالس الادبية التي تقام فيها الاماسي الادبية المختلفة ويقام فيها مهرجانا قطريا سنويا وهو مهرجان مصطفى جمال الدين حيث اصبح تقليدا ثابتا منذ ثلاث سنوات خلت وهذا المهرجان الرابع الذي يقيمه التجمع الثقافي في سوق الشيوخ باسم تلك الشخصية الادبية والدينية المرموقة، وهو السيد العلامة مصطفى جمال الدين لهذا الازدهار الثقافي والادبي في سوق الشيوخ منجز ثقافي تبلور في الاصدارات الادبية التي اصدرها الكتاب والشعراء والقصاصين في المدينة وهي كثيرة ومتنوعة ولا حصر لها ولكننا سنلامس القليل منها بسطورنا هذه ونمر بشيء من العجالة على بعض هذه الاصدارات التي انتجتها مدينة ماروسي الشيخ معن العجلي اصدر روايته الخنساء والبندقية الملعونة وكتب اخرى كثيرة اما السيد مصطفى جمال الدين فقد اصدر كتابه الايقاع في الشعر العربي ومجموعة شعرية بعنوان عيناك واللحن القديم كذلك صدرت مجموعته الشعرية الكاملة فيما اصدر الشاعر الشيخ جميل حيدر عام 1982 مجموعته الشعرية نبع وظل ثم صدرت له بعد وفاته المجموعة الشعرية الكاملة، اما الشاعر سالم الحسون فقد اصدر ديوانه الشعري همس الوجدان والشاعر جعفر حسين الخياط مجموعة عصارة روح عام 1970 وصدرت للشاعر حسون البحراني مجموعته الشعرية الحان والم بينما اصدر الشاعر عبدالحميد حسن السنيد مجموعته الشعرية الحان الروح عام 1964واصدر القاص والشاعر عبدالرقيب احمد اليوسف مجموعته القصصية قصص وخواطر اخرى عام 1966وديوان عواطف هائمة واصدرت الشاعرة بلقيس السنيد ديوانها مخاض مريم واصدر الكاتب عبدالكريم محمد علي كتابه تاريخ سوق الشيوخ عام 1990 واصدر الشاعر اجود مجبل ديوانه رحلة الولد السومري عن اتحاد الكتاب العرب عام 2000 ثم ديوان محتشد بالوطن القليل عام 2009 وديوان ياابي ايها الماء عام 2012 واصدر الشاعر وحيد خيون ديوانه مدائن الغروب ومهدي الحسناوي لغة المنفى والجراح ديوان شعر عام 1997 واصدر القاص فاهم وارد العفريت مجموعته القصصية اوراق على ابواب الخريف عام 2002 عن دار الشؤون الثقافية العامة ثم اصدر مجموعة قصصية اخرى عن دار رند في سوريا بعنوان صور ونيضات عام 2010 واصدر الشاعر عامر ضايف السلمان ديوانه الشعري نبضات الافق الاخضر عن دار الينابيع عام 2010 ، واصدر الشاعر باسم عواد ديوانه الشعري احلام من القرن الآتي عن دار الينابيع عام 2009 كما اصدر الشاعر حسين الحربي ديوانه الشعري كلمات دافئة ومجموعة حروف يرسمها المطر ومجموعة دموع واهات والحان ومجموعة اهات ينزفها الوتر، ومجموعة اخرى ضمت كل اصداراته واصدر الشاعر محمد علي كاظم حيدر ديوانه الشعري ظمأ الشفاه عام 2012 واصدر الكاتب والشاعر فاضل الغزي عددا من الكتب مثل ديوان عند انكسار الظل عام 2000 وديوان، وقد ياتي عام 2008 وديوان انتظار مالايحدث عام 2009 واصدر الشاعر خضر خميس ديوانه الشعري طلاسم لزوال الخفوت عن دار الرفاه عام 2012 واصدر الشاعر احمد حميد ديوانه الشعري والصبح اذا تنفس، واصدر القاص والروائي احمد الجنديل مجموعته القصصية الهذيان داخل حقيبة الموت عام 2007 وطقوس لاتعرف الحياء عام 2009 ورواية الرماد عام 2012 واصدر الروائي علي موسى حسين روايته ساعات استئناف دعوى القميص عن دار الينابيع عام 2010 واصدر القاص فاقد الحمداني مجموعته القصصية ماكان وراء السديم عن دار الرفاه في بغداد عام 2012 هذا ليس كل ماكتبه ادباء سوق الشيوخ ولكننا وقفنا على البعض من اصدارات الشعر والقصة من تلك الاثار الرائعة التي تترجم ماكتبه هؤلاء الراحلون وكذلك البعض مما ابدع به الادباء المعاصرون، وقد اكتفينا بذكر بعض الكتب المطبوعة فقط لان ماكتبه هؤلاء المبدعون وغيرهم لاحصر له من الكتب المطبوعة وكذلك المخطوطة هذا وقد كان لادباء وكتاب سوق الشيوخ حضور مشرق كاعضاء للاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق وهم كل من الشاعر احمد حميد عباس والشاعر اجود مجبل والشاعر اسعد كاظم المطيري والشاعر باسم عواد والمترجم باسم عطشان العودة والاديب حسن الشنون والشاعر حسين الحربي والشاعر خضر خميس والشاعر رياض العلوان والشاعر رشيد حميد والشاعر عامر ضايف السلمان والقاص علي موسى حسين والشاعر علي مجبل والقاص فاهم وارد العفريت والقاص فاقد الحمداني اخيرا اقول سلام عليك ياسوق الشيوخ وعلى فراتك ونخيلك وبساتينك واهوارك وطيورك ومضائفك ودواوينك وحناجر الشجن النابعة باطوار الغناء الريفي والمبتسمة تاريخا مسطرا بين حروف ابيات الابوذية ، سلاما لكل الراحلين الذين وضعوا بصماتهم تاريخا زاخرا بالابداع لمدينتهم، وسلاما لكل الذين حملوا ومازالوا يحملون تلك الامانة الادبية والثقافية من جيل الى جيل .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان