مازن لطيف
” وداعا بابل”، هي أوّل رواية له، كتبها باللغة الفرنسية عام 1975، ثم تُرجمت إلى اللغة الإنكليزية، وبعد سنوات، إلى اللغة العربية. تدور أحداثها في أريعينيات القرن العشرين عن التعايش الإنساني بين المسلمين واليهود في بغداد، تصف الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي وقعت إبّان الحرب العالمية الثانية في بغداد تحديداً. بطل الرواية، نسيم، اعتاد أن يمضي وقتاً مع زمرة من زملائه في مقهى ياسين على شارع أبي نوّاس، وهذه المجموعة تألّفت من يهودي ومسيحي كلداني ومسيحي أرمني، وبضعة من المسلمين. يتّضح أن هذه الزمرة لا يشغلها سوى الأدب، إلا أن بعضهم كانت له علاقة مع بعض الحركات السياسية السرية آنذاك.
بعدها؛ أصدر قطّان روايته الشهيرة فريدة (منشورات الجمل – 2006)، التي تتناول سيرة مطربة عراقية من خلال كتابة حكاية شخصية لفريدة آغا، بطلة الرواية. ترتكز هذه الرواية على مفارقات صراع العرب واليهود في العراق داخل مجتمعهم البغدادي من خلال حكاية مغنية انشطر قلبها بين مجتمعين ورجلين. كلّ من يقرأ رواية فريدة يتوقع إنها تتناول سيرة المطربة العراقية الكبيرة سليمة مراد، لكني فهمت من المؤلف نفسه أن البطلة لا تمثّل شخصية المطربة سليمة مراد، بل مطربة أخرى لم يشأ الإفصاح عن اسمها الصريح.
وُلد نعيم قطّان سنة 1928 في بغداد في بيت مجاور لكنيس مائير، ثم انتقلت عائلته إلى محلّة قنبر علي، ثم إلى منطقة البتاويين، ودرس في مدرسة يهودية (الأليانس). ونشر أوّل قصة له في مجلة “المجلة” التي أصدرها ذنون أيوب، وكان عمر كاتبنا آنذاك 14 ربيعاً. كتب بعدها قصصاً ومقالات عديدة باللغة العربية. وكان من أبرز أصدقائه الشاعر العراقي من روّاد الشعر الحرّ بلند الحيدري. وشاءت الأقدار أن يلتقي المؤلف مع صديقه القديم الشاعر بلند الحيدري بعد ثلاثين عاماً في مراكش، فتعانقا، وأجهشا بالبكاء، وبدا أحدهم يلثم الآخر بشهادة الأديب جميل حمودي، الذي أصدر معه سنة 1945 مجلة اسمها ”الفكر الحديث”. دامت ثلاث سنوات. وكان قطّان قد أصدر مع بلند الحيدري وعدنان رؤوف وآخرين مجلة أخرى اسمها ”الوقت الضائع”، صدر منها 3 أعداد فقط، كان قطّان يكتب فيها عن الأدب الفرنسي؛ إذ كان الوحيد من بين زملائه متأثّراً بالثقافة الفرنسية من خلال دراسته في مدرسة الإليانس وقراءاته لأندريه جيد، وأندريه بروتون، ومالرو، وآخرين. في مجلة ”الفكر الحديث” يُعدّ قطّان أوّل مَن كتب مقالة في العراق عن السوريالية.
ترك نعيم قطّان العراق سنة 1949 طلباً للعلم، وكان عمره آنذاك 18 ربيعاً، بعد حصوله على زمالة دراسية من الحكومة الفرنسية، وفي فرنسا، أصدر أوّل مجلة تتناول الثقافة اليهودية باللغة الإنكليزية.
درس في جامعة السوربون في باريس بين عامي 1947 و1951، ثم انتقل مهاجراً إلى مونتريال في كندا في العام 1954، وما زال مقيماً فيها حتّى الآن، حيث يكتب وينشر ويعمل.
يتمنى قطّان عبور نهر دجلة سباحة، كما كان يفعل في طفولته. وبعد احتلال العراق عام 2003، عرضت عليه شركة سينمائية كندية كتابة فيلم عن حياته وذكرياته في العراق، لكنه رفض؛ لأن الوضع الأمني غير مستقرّ. لكن الفكرة مازالت قائمة لديه، وهو يتطلّع لتنفيذها، بعد تحسّن الأوضاع في مسقط رأسه.
يقول قطّان: إن كلّ شيء بدأ في العراق، الحضارة، الكلمة، الشريعة، الدنيا، الحياة والموت.
لا يشعر قطّان بالغربة؛ لأنه – حسب قوله – وُلد ثلاث مرات. ألف كتاباً أسماه (مدن الولادة)، وهي ثلاثة، بغداد، باريس، ومونتريال. كلّ مدينة كانت تضم المدن الأخرى. بغداد موجودة في باريس، وباريس متداخلة في مونتريال، ولذلك؛ لا يشعر بالاغتراب.
قبل بضعة أعوام نال أكبر جائزة أدبية في مقاطعة كويبيك، حضرها رئيس الوزراء الكندي، وأقيمت في المجلس النيابي، وذكر فيها قائلاً بفخر: أنا مولود في بغداد كيهودي، وحين حضرت إلى مونتريال لم أكن أعرف أي شخص. وصارت هذه المدينة هي موطني الآن. لماذا؟ لأني كلما أكتب عن نفسي أقول أنا من بغداد، وحين أردد “أنا من بغداد” تفتح أمامي بوابات العالم، لأنني لم أخفِ أو أتنكر لأصولي العراقية… فأنا أعترف بمحل ولادتي، وهذه بالنسبة لي حقيقة. لا أقول أهمّ ولا أعلى. هي – بالنسبة لي – الحقيقة، ليس إلا.
في روايته “وداعاً بابل” يؤكد الكاتب أن هذه الرواية تدور حول حقبة واحدة من حقب تاريخ العراق المعاصر المهمة، ألا وهي حقبة الأربعينيات الزاخرة بالأحداث السياسية والاجتماعية البارزة، التي تركت بصمات واضحة في المجتمع العراقي آنذاك. الرواية هي أقرب ما تكون إلى سيرة حياة الكاتب في السنوات السبع أو الثماني الأخيرة قبل خروجه من العراق للدراسة في فرنسا، كما يرى الدكتور نيازي ألمانع، الذي قارنها مع رواية الخروج من العراق لإسحق بار موشيه، الكاتب اليهودي العراقي الآخر الذي اختار الهجرة إلى إسرائيل.









