ثقافية

هنـــــــا تلعفــــــــر

                

 هادي عباس حسين

 

لم تزل الساعات الاولى من الليلة الحالكة الظلام، وهو يومنا الوحيد الذي تجحفلت فيه مجموعتنا القتالية مع هذه الوحدة،و التي لم  انس كلام امرها الذي بث في دواخلنا الحماس والشهامة والنخوة اليعربية، كاد الدم يتفجر من جسدي عندما وجدته يوجه سؤاله الينا:

– اتقبلون ان تنتهك اعراض العراقيات بيد الدواعش؟..

حقا معادلة صعبة، وعلينا ان نتقدم بكل حزم وثبات ومعنويات فقفزت مقاطعا كلامه: 

– كيف يحدث هذا؟..

صوب الامر باصبعه الى الامام وقال:

– ها هي  اعراضكم تناديكم وتستغيث بكم..

نهض اغلبنا بدافع الكرامة والاخذ بالثار  لكنه عاد لتكملة الكلام:

– الليلة سيكون الهجوم…

وساعاتها الاولى انتهت، وانتصف الوقت وسماعي اصوات انفاس المقاتلين معي اجدها كلها يتطاير منها شرار النخوة وعشق الارض والحفاظ على الشرف المنتهك وكانني اسمع اصوات النسوة وهن يستغثن بنا، كل جسمي اهتز وراسي فيه شيء يدور ،لا اعرف ماهو..لربما صوت احدى النسوة يهتف في اعماقي يناديني:

– وينك يا اخو هدلة..

تذكرت اختي هدلة، التي لم احصل من دنياي الا هي وحدها فقط، فقد اعدمت عائلتي بالكامل، ودفنوا وهم احياء عندما كانوا متجهين لزيارة ضريح الحسين عليه السلام في السابق لم ينج الا هي، عندما كنا في زيارة لبيت اقاربنا في بغداد، فكانت تلك فرصة وهبها الله لنا بالحياة كي نستمر. وبالفعل شددت روحي بروحها واصبحنا توأمين لا احد يستطيع الافتراق عن الثاني وكلما سالتها:

– يا اختي لماذا ترفضين الزواج؟..

يعود الجواب بسؤال مثله:

– وانت لماذا ترفض الزواج؟..

ليس لدينا اجابة مقنعة، حتى ترسخ في جمجمتي كلام لا غيره

– انا اخو هدلة..

الصوت نفسه يكبر في دواخلي، وكانه يصدر مني دون ارادة وانا اردد:

–  انا اخوك يا هدلة..

ساعات بطيئة ومؤلمة وكل شيء بي يتدفق، كنت اريد ان اكون اول الواصلين اليك ايتها المدينة المهدمة، ان اتسابق مع الريح كي اصل الى من يناديني بصوته الخفي، لكني احاول ان اصبر نفسي وانا استمع الى ما يصدر من جهازي اللاسلكي المحمول على ظهري كنت اريد ان استفسر بسؤالي:

– متى سيكون الهجوم وساعة الصفر؟..

اعود الى هدوىي واستكانة روحي فاردد:

– ان الوقت بطيء، كيف اتحمل مروره؟..

بين لحظة واخرى، تتعالى النيران المشتعلة في دواخلك ايتها المدينة الصابرة ما فعله بك الاوغاد سيدفعون لاجله الثمن، سنقاتلهم ونلقنهم اصعب الدروس.  وقف بجانبي قائدي وقال لي:

– ما هي الا ساعات..او اجزاء منها او اجزاء من تلك الاجزاء..

تمسكت به وقلت له:

– نحن على اهبة الاستعداد..

ابتسم في وجهي ورد بالحال:

– نحن على علم بهذا، لكن هناك تخطيط عسكري..

قلت وبمرارة:

– اني اسمع مناجاة النساء ..يطلبن النجدة..

ظل صامتا للحظات تاركا كلماته: 

– ان شاء الله سنصلهن ..وننقذهن..

كانت كلمات توعد بالامل وتصبر النفس التي ضاق بها الانتظار اما الموت واما ان نصلك يا تلعفر، ايتها البريئة التي فعل بك الاعداء ما فعلوا، كنت تواقا لان اضع اولى خطاي في اول حي من احيائك الجميلة، قدمي تتحرك بمكانها وانفاسي بصعوبة احبسها، وجسدي يهتز كسعفة نخلة وانا اردد:

– يا الله الهمني الصبر..صبرني على بلواي..

انها لحظات مرارة وعذاب ومناجاة هناك يموت الناس العزل وتسبى النساء، ونحن هنا نتلوى من شدة الانتظار للحظات وساعة الصفر، كلما اشتقت للوصول ترن في اذني المنادات عبر جهازي اللاسلكي ، كلما استمع اجد نفسي تتحضر للانطلاق نحو الامام ،حتى شعرت بعجز كامل للاستحصال على اشارة الهجوم فيقتلني الاصغاء دون نتيجة، اريد ان استمع الى جملة بداية التقدم التي كانت تتردد في اعماقي:

– هنا تلعفر…

متى اسمعها، ان اذني بحاجة لان تتلفقها في تودد وعشق منقطع النظير، لكن الامل بطيء التحقق ،والاعلان مع اول كلمة ستبعث في نفسي الفرح والسرور، حقا ساطير واتصور ان لي جناحين يصلاني اليك ايتها المدينة .كان فجرا زحف الينا ليبين لنا ان بالضوء الاول في السماء ، سيتحقق زحفنا ونتقدم لاجد خطاي  اسرع ما يكون، واندفاعي ليس له حد يمكن وصفه اصوات كل انواع الاسلحة اسمعها باذن تصغي للنداء القادم من هناك، والمتجهين صوبه بصورة فائقة السرعة الكل سائرون نحو الهدف وارواحهم رهن اشارة الفداء والتضحية اشعر انني بالفعل كالريشة من ناحية وزني وصورة شقيقتي هدلة يوم قالت لي:

– مودع بالله.. انا اخيتك..

بالفعل انا اخوك، في السراء والضراء وساستجيب لنداء النسوة كي يتخلصن من المرارة والهوان والعذاب والاهانة، كل شيء مرسوم ويسير وفق نظام محدد،ونحن على ابوابك نلبي النداء ونتامل لك كل الخير ،فانت جزء من هذا الوطن الكبير كنت اصرخ بصوت عال، وفي سماعة نداء جهازي:

– هنا تلعفر…هنا تلعفر…هنا تلعفر..

بعدها فقدت الرؤية بالكامل، كانت نيران قذيفة الهاون قد سقطت بجواري نتيجة ايجادها تذبذبات جهازي اللاسلكي الذي من فرحتي نسيت ان اغلقه، مما رصدت بالحال، وحدث الذي جرى ،و دموعي تنهمر و شقيقتي بجواري تقول لي:

– انت اديت الواجب..

قلت لها:

– انا لم اسعف صاحبة الصوت الذي سمعته طوال الوقت..

قالت لي بالم:

– انك اديت واجبك باحسن صورة..

نهضت دون شعور وصحت بصوت عال:

– هنا ..تلعفر..هنا ..تلعفر..هنا تلعفر..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان