عبد الله صخي
في ضحى يوم بعيد، له رائحة الدخان، وصل فتى نحيل إلى مدينة حدودية تقيم فيها أخته منذ أكثر من عشر سنوات، على أرض ترابية ناعمة هبط من سيارة نقل كبيرة نصف مقاعدها كانت فارغة طوال الرحلة، وسط كراج السيارات، مغمورا بضوء نهار ساطع، تابع ببصره المسافرين المنهكين الذين نزلوا معه وراحوا يتفرقون بخطوات كسولة متعثرة. نسوة يحملن حقائب وصررا على رؤوسهن أو أكتافهن برفقة رجال ملثمين بيشاميغهم رغم حرارة الطقس. لم يضطروا إلى إحناء رؤوسهم عندما اجتازوا كوى وفجوات في سياج الكراج المرتفع المثلّم الحواف إذ كانت واسعة كما لو أنها حدثت بفعل قذائف. وهو في وقفته المشدودة للفراغ والسكون تذكر الفتى كلمات أمه:
– “أريد أن أرى أختك قبل أن أموت”.
كانت تحاول جاهدة أن تنطق بوضوح حروف تلك الجملة الحزينة الملتاعة، لكنها ما لبثت أن تناثرت وتلاشت فوق شفتيها الجافتين الزرقاوين.
في زاوية من ساحة الكراج، أضاء شعاع عمودي خارق مقهى صغيرا جدرانه الطينية مثقبة تتقدمه سقيفة من القصب وجريد النخل، تهدم طرفها الأيمن. في ظلها الممتد عدة أمتار، إلى أمام جلس رواد قليلون متفرقين على كراس قصيرة القوائم أو مصاطب طويلة فرشت فوقها حصر بالية. كانوا يدخنون ضجرين، يحدقون في الساحة التي احتلها الضوء.
في بقعة قصية من الساحة، ثمة سيارة لنقل الركاب قديمة الصنع، بدت معطلة إذ كان سائقها يفحص أجزاء في محركها ويتحدث إلى مساعده بصوت خفيض غاضب، وبوجه متشنج أنهكه العرق المتصبب من جبينه فيمسحه بطرف كمه أو بسبابته.
استعاد الفتى زمنا كان الضجيج خلاله يعم المكان: أصوات متزاحمة متداخلة من الدكاكين والباصات والمطاعم المتنقلة، من السيارات الرائحة والغادية، من المسافرين المسرعين، من الجنود العائدين بإجازات أو الملتحقين بوحداتهم، من صخب مكبرات الصوت في المقاهي التي تطلق أغنيات ريفية، ومن جلبة مساعدي السائقين وهم يحثون الركاب على الصعود إلى سيارات النقل العاملة على الطرق الخارجية. تساءل الفتى في نفسه: “أين ذهب كل ذلك؟ ما الذي حدث؟”.
كان قد زار المدينة أكثر من مرة. لم تكن كما هي اليوم. وكرر السؤال: ما الذي حدث؟ خيّل إليه أنها تعرضت إلى حريق أو معركة أو غارة جوية، أو انفجار أو انهيار بنايات ومنازل. لم يكن بمقدوره التأكد من ذلك. ربما يكون كل ما يراه ويشعر به محض خيال. فكر أن يسأل. يسأل من؟ رواد المقهى الحائرين الساهمين؟ لقد تسلل صمتُهم وشرودُهم إليه هو الآخر فلم يعد راغبا في الكلام. إنهم لا ينظرون إلى بعضهم ولا يتبادلون الحديث، حتى القهوجي يلبي طلباتهم بلغة الإشارة. إنه يتحرك كالشبح بين المصاطب والكراسي فيما هم يلوذون بسكون أخرس يهبط من سماء حرة طليقة ويتغلغل بين البيوت والأشجار والشرفات.
انسحب الفتى من كراج السيارات، دون أن يلاحظه أحد، عبر بوابته الكبيرة المفتوحة ليل نهار باتجاه الشارع الرئيسي للمدينة. كان الإسفلت مبللا تتصاعد منه أبخرة نهار قائظ ينعكس ضوؤه النشيط في وميض متعاقب. حاول أن ينسى وجه أمه العظمي الشاحب وعينيها الذابلتين الصفراوين. هناك في مدينته ترك جسدها نحيفا ممددا فوق حشية عتيقة تساوت مع الأرض من فرط الاستخدام، يناضل بقوة ضد خيول الحمى التي تمر بجواره أو فوقه في طريقها إلى ممالك الموت السرية. كانت الأم، التي تتناوب على رعايتها جاراتها المسنّات، تغفو لفترة وجيزة ثم تستيقظ فجأة تشكو من آلامها بأنين حاد. في مثل هذه اللحظات يستبد به الخوف من الوحدة والفقدان ويشل حركته ويتركه عاجزا عن فعل شيء. يبكي ويتضرع عندما يسمع نشيجها المتقطع وهمهمة روحها المعذبة المنهكة.
الآن يساوره خوف من نوع آخر، خوف من حدث مجهول اجتاح المدينة. لكنه لم يشاهد أثرا لمعارك أو ثكنات عسكرية، لم ير نقاط تفتيش أو حواجز أمنية أو بقايا حرائق، سوى تلك الفجوات والكوى في السياج المحيط بكراج السيارات. في نهاية الشارع الرئيسي على امتداد نهر المدينة الذي يشطرها شطرين ثمة شاحنات عسكرية خالية متوقفة في صف منتظم بانتظار شاحنات أخرى تأتي من بعيد لتشكل قافلة تستعد للانطلاق نحو جهة ما يقودها عدد قليل من الجنود المسلحين. مرت سيارة شرطة فلمح عبر قضبان نوافذها الحديدية سجناء ينظرون إلى الشوارع والمارة بعيون تتوسل الحرية والعطف والشفقة.
مع كل خطوة تقربه من بيت أخته كان يشعر بالاطمئنان. وعندما وصل إلى الزقاق المألوف لديه بدأ خوفه يتبدد. غير أنه حين وقف أمام الباب تماما صدمه صمت يحيط الجدران والنوافذ العالية، صمت موحش مريب في زقاق لا يصله ضوء النهار، صمت يقطعه هدير مياه النهر التي يطلقها السد المجاور. أصغى إلى حفيف الحياة في الجانب الآخر من الجدار الطيني السميك. لم يلتقط سمعُه أيَ شيء. بظاهر كفه الصغيرة الطرية طرق الباب الخشبي القديم. لم يجبه أحد. رفع رأسه ونظر إلى النافذة العلوية. كانت موصدة. طرق الباب ثانية وثالثة ثم سلسلة من الطرقات المتوالية العنيفة. يئس من الحصول على جواب ومع ذلك ظل واقفا حتى سمع وقع أقدام تتقدم خلفه ببطء. التفت فرأى طفلة صغيرة بملابسها المدرسية، تتوسط باب الدار، شعرها أسود بضفيرتين طويلتين. قالت:
– هل تبحث عن أحد؟
– أبحث عن أختي، جئت لأخبرها بأن أمي مريضة.
ردت الطفلة:
– خالة أم هادي ما موجودة.
– متى تعود؟
– لا أعرف… أمي قالت إنها انتقلت.
وسأل متلهفا:
– إلى أين؟
– لا أدري.
– اسألي أمك؟
– أمي تقول الكثير من الناس بدؤوا ينتقلون من هنا.
وأضافت:
– حتى أهلي سينتقلون.
– لماذا؟
– لا أعرف. أبي قال إن المختار أبلغهم بذلك.
وقال الفتى:
– هل أستطيع التحدث إلى أمك؟
– لا، إنها لا تتكلم مع غرباء.
– لست غريبا فأختي جارتكم.
صمتت الطفلة. لم يقتنع الفتى بما قالته وأخذ يطرق الباب بيد متوترة.
اعترضت قائلة:
– لماذا تدق على الباب؟ إنه مفتوح.
– مفتوح؟
– نعم. ادفعه بكتفك.
وسمعت الطفلة صوتا من داخل بيتها.
صاحت وهي تغيب في ممر طويل معتم:
– أمي تناديني.
تناهت إليه كلمات تأنيب.
دفع الباب بكلتا يديه ودخل متوجسا. واجه صمتا آخر قاسيا عميقا يبعث على الخوف. فتش الغرف المعتمة عله يجد أثرا ما يدله على أخته فلم يعثر على شيء سوى نسيج عناكب في الزوايا وقطعة نقدية صدئة. تطلع إلى الأعلى. من فتحة مربعة واسعة كانت السماء زرقاء صافية، ثم سمع خفق أجنحة قرب السطح. لحظات وحوّم عاليا سرب حمام حول البيت في دورة سريعة أليفة. اختفى الحمام عن نظره ثم انبثق في دورة جديدة مرفرفا في هبوط بطيء حلمي انسيابي حتى كاد يلامس شعر الفتى، ثم ارتفع محلقا عموديا من الفتحة المربعة نحو السماء الفسيحة.
وفيما استمر الحمام بالتحليق والدوران خفّاقا جذلا منتشيا غادر الفتى تاركا الباب مواربا. مشى على امتداد الشارع المحاذي للنهر الذي توقف هديره. كان الشارع مقفرا اخترقت وحشتَه سيارةٌ عسكرية مسرعة. بعد أن غابت في المنعطف عاد الصمت يهيمن على كل شيء. هبط بحذر نحو ضفة النهر. كانت هناك ثلاثة قوارب مهجورة نخرها الموج فتقشر طلاؤها راكدة تتكئ أطرافها على الشاطئ. مشى بعيدا عن القوارب الثلاثة. اختار جرفا صافيا فتوقف وانحنى على صفحة الماء الرصاصية كغصن مكسور. فتش عن وجهه فلم يجده، بل وجد أوراق أشجار، وأعوادا من القش، وأسماكا صغيرة ميتة.









