ثقافية

أزهر العبيدي يؤرخ للأسر الموصلية في القرن العشرين

عرض ـ د. محمد نزار الدباغ

 

قال المؤلف: منذ أمد بعيد وأنا أفكر في إصدار كتاب جامع لأسماء وأنساب الأسر الموصلية التي عاشت ضمن سور مدينة الموصل القديمة في الزمن الماضي حباً بمدينتي وأهلها الكرام، إذ صدرت فيما مضى الكثير من الكتب التي اهتمّت بدراسة الأسر والأنساب الموصلية، كانت في معظمها مختصرة وتتناول عدداً محدوداً من الأسر المعروفة في المدينة والذائعة الصيت تبعاً لشهرة أحد أفرادها أو عدد منهم. لذلك يصعب اتّخاذ تلك الكتب أساساً لمعرفة ودراسة مكوّنات المجتمع الموصلي القديم والتوصل إلى الحجم التقريبي لسكان المدينة القديمة داخل سور الموصل.

كما يصعب معرفة أنساب عدد كبير من الاعلام الموصلية وبخاصة من نشؤوا في أسرة أهملت بسبب صغر حجمها أو لكونها كادحة أو غير معروفة … لذلك فكّرت في توثيق أسماء وأنساب هذه الأسر في موسوعة شاملة تجمع الأسر الكبيرة منها والصغيرة والمعروفة وغير المعروفة والغنية والمتواضعة دون تمييز ودون إضافة ألقاب التفخيم والتعظيم مثل: المرحوم والكبير والمعروف والذائع الصيت والسيء الصيت، وتجنب النبز مثل المجنون أو الأقرع أو الأعور أو الشقي الذي يسيء إلى عدد من الأسر والذي يطلقه الأعداء ضدها.

لقد عملت في هذه الموسوعة على توثيق أنساب 98% من الأسر الموصلية إن لم يكن كلّها، وتوصلت من خلال دراستي واطلاعي على وثائق ومشجّرات أنساب العديد من هذه الأسر إلى حقيقة مهمة تشير إلى أن الكثير منها نشأت واستمرت في النشوء والبقاء من ذرية شخص واحد على طول الخط فيما مضى، والسبب في ذلك كثرة الأوبئة والأمراض السارية التي كانت تفتك بالناس في غياب العناية الطبية والوقاية من الأمراض بالتلقيح أو إتباع الإرشادات الصحية فضلاً عن كثرة الحروب وسوق رجال تلك الأسر إلى مناطق نائية لا رجعة منها مثل الحدود الروسية وسيناء والتي كانت تسمّى (السفر برلك) أو (السفر بر) في العهد العثماني. وهناك سبب آخر لقلة أفراد عدد من الأسر الموصلية هو كثرة إنجابهم للبنات وقلة الذكور في الأسرة، وكانت هذه الحالة تعدّ من المصائب الكبرى التي تصيب الأسر على وفق عادات وتقاليد ذلك الزمان الذي يحبّذ فيه إنجاب الذكور والخشية من إنجاب الإناث. لذلك كان الكتّاب لا يعيرون أهمية لشخص واحد من أسرة موصلية لا امتداد لها وليس لها سمعة ذائعة في الأسواق والمحلاّت (الأحياء) التي يعمل ويقطن فيها رب الأسرة.

وكنت أجدّ لإكمالها في حياتي لأشهد نجاحها إن شاء الله، وأوصيت ولدي الشهيد ليث الذي كان يرافقني في جولاتي لجمع المعلومات من الأسر الكريمة أن يعمل على إكمالها إن لم أتمكن من ذلك.

احتوت الموسوعة على أنساب أكثر من (2300) أسرة وهي معظم الأسر الموصلية العريقة التي عاشت في المحلاّت داخل سور الموصل وفي الجوبات (باب الطوب – النبي شيت – اﻟﻌﮕﻴل) وفي محلّة النبي يونس، وأسر محدودة سكنت الموصل خلال القرن وبخاصة في الخمسينيات منه ممن ظهر منهم أعلام كبار خدموا المدينة خدمة جليلة، وكان لابدّ من رد الجميل لهم طالما استمروا في العطاء والسكن في المدينة التي أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من مجتمعها الحضري.

وقد ورد عدد أسر الموصل بأنه (2050) أسرة في كتاب رحلة جون فيليب نيومان إلى الموصل عام 1875م المترجم من قبل الأستاذ صلاح سليم علي إذ يقول: (ومن بين ثلاثة آلاف وثلاثمائة أسرة في الموصل هناك 200 أسرة يهودية وألف ومائة أسرة مسيحية وألفين وخمسين أسرة محمدية مسلمة)، وهذا الرقم تقريبي كما ظهر لي، إذ أن هناك أسرا منقرضة وأسرا لم أتوصل لها لمجهولية عناوينها بينت بعضها في الملحق (أ) أما عدد السكان التقريبي فقد قدرته سلطة الاحتلال البريطاني عام 1921 بحوالي 100 ألف نسمة من الذكور والإناث.

وثّقت معلومات هذه الأسر عدا قلّة منها وبخاصة التي انقرضت بموت الرجل الوحيد فيها حسب عشائرهم لكي نميّز بين الأسر ذات الألقاب المتشابهة في الاسم أو المهنة على الأغلب، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد لقب أسر (الصائغ) التي بلغت نحو (30) أسرة موزعة في عدد كبير من العشائر وكذلك (الدباغ 44) و(الصفّار 33) و(العلاّف 24) و(الخشّاب 19) و(اليوزبكي 14) وغيرهم كما في الملحق (ج)، فعند التعريف بأسرة ما يقولون أنّ هذه الأسرة من الصائغ الحمدانية أو العبيدية، ولابدّ من الاستعانة بكتابي (أسماء وألقاب موصلية) لشرح معنى الألقاب. أما الأسر المسيحية فقد كتب عنها الصديق المربّي بهنام حبابة وهو منها وأعلم وأدرى بها.

ولعلّ ما انفردت به موسوعتي هذه عن كتب النسب الأخرى هو في تدوين وتوثيق اسم جد الأسرة ليبقى ذكرى للأولاد والأحفاد بعد زمن طويل، ووقفت على أسماء كبارها وأعلامها ووجهائها من الشهداء والمتوفين والأحياء الذين تعتزّ بهم مدينة الموصل، إذ ضمّت الموسوعة بين صفحاتها أسماء أعلام الأسر الموصلية التي سكنت مدينة الموصل في القرن العشرين وما قبله واستمرت خلاله، وأسماء الأجداد الأوائل ممن خدموا في الجيش العثماني ضبّاطاّ وقادة انكشارية (الأغوات) وفي الحكومة العثمانية موظّفين ورجال دين (الباشوات والبيكات والأفندية اﻠﭽﻠﺒﻴﺔ)، ومن بعدهم الوزراء والنواب والعلماء والموظّفين في العهدين العثماني والملكي، والرجال الذين عملوا في الزراعة وتجارة المواشي والأقمشة والأغذية، وبناة الجوامع والمساجد ومجدديها، والعاملون في الحرف والمهن اليدوية مثل باعة الفرش والسجّاد (اﻷﻗﭽﻴﺔ)، ودبّاغو الجلود والصقّالون والسرّاجون، وصانعو السيوف والخناجر (اﻠﺴﻓﺎﭽﻴﺔ)، وبائعو المئة حاجة (اليوزبكيّة)، وبائعو السكر والشاي (اﻠﻘاﭽﻴﺔ)، وصانعو الحلويات (اﻠﺤﻼﭽﻴﺔ اﻠﺸﮑﭽﻴﺔ)، وبائعو العطّاريات التي كانت تنوب عن الأدوية الحالية (العطّارون)، والحاكة وبائعو الأقمشة (البزّازون)، وبائعو اللحوم (القصّابون)، وبائعو المواد التموينية والغذائية (البقّالون وبقّالو ﻠﮕﻤ)، والصناعيون من أصحاب مكائن عمل الثلج ومكائن طحن الحبوب ومعامل تعبئة المشروبات الغازية والمرطبات والمعامل الأخرى، وصانعو الأطعمة (اﻠﮑﺒﺎﺒﭽﻴﺔ اﻠﭙﺎﭽﭽﻴﺔ اﻠﻘﻠﻴﭽﻴﺔ)، وأصحاب الأماكن التراثية (الحمامات والمقاهي ومحلاّت الحلاقة والطب الشعبي)، ثم من جاء بعدهم من الصناعيين والمهنيين في النصف الثاني من القرن العشرين.

واحتوت الموسوعة أسماء أسر الشخصيّات السياسية والوطنية من رؤساء الوزارات والوزراء، والمديرين العامين ومديري المصارف والموظّفين والمحاسبين والمدققين، والضبّاط القادة والآمرين وضباط الصف والجنود والشهداء المشاركين في الحروب العثمانية (السفر برلك) والحرب العالمية الأولى (1917-1920) وحركة رشيد عالي الكيلاني 1941 وحرب فلسطين 1948 وحزيران 1967 وتشرين 1973 وحرب الخليج الأولى (1980-1988) وحرب الخليج الثانية (1990-1991)، وأساتذة الجامعات من التدريسيين وحملة الدكتوراه ودرجة أستاذ دكتور أو (اﻟﭙروفيسور)، ورؤساء الجامعات وعمداء الكليّات، والمثقّفين من الجيل الحالي ومن سبقهم من الأطباء والصيادلة والقضاة والمحامين والمهندسين والموظّفين والمعلمين والمدرسين والمديرين والمشرفين التربويين ومن ضمنهم سيدات فاضلات توثّق أسماؤهن لأول مرة، ومن الأدباء والشعراء والفنانين في الغناء وقراءة المقام والرسم والتمثيل والنحت والخط والزخرفة، والشخصيّات التراثية والفتوّات والرياضيين. وإني أعتذر لعدم ذكر بعضهم بسبب وجود أعداد كبيرة من المثقفين والأعلام في أسرة ما تتطلب كتابة صفحات عنهم في الوقت الذي خصصت فيه أسطر محدودة لكل أسرة وهي (5) أسطر (A4) للصغيرة و(10) أسطر للكبيرة. كما أخص كثيراً من سيدات الموصل الفاضلات اللواتي لم تظهر أسماؤهنّ في الموسوعة بسبب عدم تزويد ذويهنّ لي بالأسماء.

رتّبتُ صفحات الموسوعة البالغة (600) صفحة تبعاً للأحرف الأبجدية كي أضمن العدالة في التسلسل لجميع العشائر والأسر دون تفضيل واحدة على الأخرى، وابتدأت بصفحات خصصتها للأسر التي أطلقت عليها تسمية (المستقلّة)، وقد قصدت بهذه التسمية الأسر التي لا تنتمي إلى عشيرة معينة إذ يقولون عند سؤالهم: (نحن الأسرة الفلانية … ولا نرتبط بعشيرة)، كما وضعت ضمن هذه التسمية الأسر المفردة التي تنتمي لعشيرة ولكنها وحيدة لكي لا تشغل صفحة خاصة تزيد في حجم الموسوعة. ثم اتبعتُ الأسلوب عينه في التسلسل ضمن صفحات العشائر أي حسب الأحرف الأبجدية دون تقديم أو تأخير لأحد. واحتوت معلومات كل أسرة على اللقب الذي عرفت به في المجتمع وأي لقب آخر إن وجد، واسم الجد الثلاثي أو الرباعي حسب ما تحتفظ به الأسرة من أسماء صحيحة لا موضوعة، واسم المحلّة القديمة التي سكنها الأجداد لأول مرة في مدينة الموصل القديمة ضمن السور، ثم أسماء ومهن وجهاء الأسرة من المتوفين أولاً والأحياء ثانياً مع ذكر مهنهم أو وظائفهم وبخاصة الوظائف العليا ومن تميزوا بمهن أو أعمال أخرى عرفوا بها ضمن المدينة. وختمت الموسوعة بجملة من الملاحظات والاستنتاجات التي خرجت بها نتيجة العمل الطويل في إعدادها، آمل أن تفيد القراء الأعزاء وأهل مدينتي الكرام والباحثين الأفاضل.

ومن خلال مطالعة الموسوعة نجد ان المؤلف قد أحاط بأنساب وأسماء معظم أبناء المدينة وهذا يدل على شمولية ودقة هذا العمل والجهد الكبير المبذول فيه ، حتى اننا نجد أن أختياره للآيتين الكريمتين رقم (11 و 13) من سورة الحجرات جاء متوفقاً مع أسم الموسوعة وموضوعها .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان