ثقافية

من التناقضات الظاهرية إلى التناقضات الأكثر شمولاً

 

قيس مجيد المولى

 

 

ذوّبت الحداثة الشعرية من تركيز العاطفة وعملت على تكثيف نكهة الحزن ونزعة التوتر، فقدمت للمتلقي مديات أوسع في تصفية العديد من العوائق للانتقال من التناقضات الظاهرية إلى التناقضات الأكثر شمولا والتي تدفع باتجاه تجاوز الإنسان لمعظم إحباطاته أو على أقل تقدير الإفادة من تلك الإحباطات للولوج لعالم بديل يعوضه عن عالمه الحالي، المهم أن يُعبر عن الخاصية المميزة للأنا كوجود وكقدرة على ممارسة عملية التطهير ضمن النشاط النوعي الذي تقوم عليه العملية الإبداعية.

إذ أن الشعور الحداثوي تَشكلَ على أساس أن هناك منطقا داخليا يتعارض مع المنطق ويتعارض مع السياقات النسبية والواضحة، وفي ذلك – وكما يرى المحدثون – أن هناك تحولا قد طرأ من التعقيد والإغتراب على صعيد الجماعات والأفراد في المفاهيم التي أثَّرَت في البناء النفسي والثقافي.

فقد أشار الحداثيون الى وجود ثقافة جديدة لا تتلاءم والمرجعيات القديمة، وعليه فإن مستويات التقارب ما بين القديم والجديد أصبحت تشكل مفارقة ما بين الجهتين ضمن زمن مستنفذ بزمن ما، وزمن لا يمكن استنفاذه، وهو ما يشير إلى طبيعة ماضي الأشياء وكمال وجودها في مجهولها الذي لم يكتشف بعد.

يقول بودلير “إلى أعماق المجهول كي نجد جديدا” وهذا البحث في المجهول باعتقادنا يعني البحث في مجهولية الأفكار واستقدام آلية التأمل لتحديث الماضي، وإن لم يكن فاحتواؤه والذي يعني العمل ضمن متناقضي الإنقطاع والتواصل مع مستلزمات الخيال الذي يدخل كقوة جامعة ورابطة، كقوة مُفرقة وكقوة لامة.

وقد عُرف – أي الخيال – بأنه نمط من الذاكرة تجرد من عنصري الزمان والمكان فإن ذلك يعني أن مركز استقطاب الدهشة سيشغل مساحة أوسع من الناحية الفعلية للإشتغال مع عمق اللغة وما وراءها وسيؤمن ذلك الكثير من اللحظات التي تنسجم مع لحظة التأمل تلك بما يتلاءم مع إخضاع غير المألوف ضمن مستويات رفيعة في بناء النص الشعري فيتيح ذلك المجال للنزعات الإيهامية في بلوغ مستوياتها النادرة من التغريب لتتدرج في سريتها في وجه آخر من غموض دالات قواها التعبيرية، فلا وجود لنهايات إنما مستويات من الحوار الداخلي وتشعبات للسرد المطلق، ليبدأ كل شيء يتحرك ضمن استجاباته وتأثيرات قدرة التجربة الجمالية للشاعر، وهو ينتقل مخادعا ظواهر الأشياء وعاكسا بعاكسته على روحها الباطن.

وتلقائيا تسفهت الدلالة الموروثة لدى الحداثيين ويعني الإنسياح في المجهول الذي يعني المزيد من البحث عن مسرات مختلفة المعنى تؤدي إلى الفوضى المنظمة، فالعالم قد رُتبَ كما ينبغي، ورتب الآخرون ضمن ترتيب سياقاته والمهمة إذن ليست إعادة ترتيب، وإنما تكمن في كيفية تغيير هذا الشكل من الترتيب تغييراً في هندسته وموحياته لوضع الأولويات الإنسانية كهاجس متسلط يعيشه الشاعر لحظة بلحظة، فكانت النتيجة المباشرة لهذا التمرد الشعري الجديد إن كل ما كتب كان مجرد أكذوبة، كان مجرد ملاطفة الواقع ومحاباته ولا يعدو في أرقى حالاته كونه تأملاً سطحياً لا يأتي إلى الحياة بشيء، ولا ينفخ فيها من السعادة أدنى أي شيء.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان