إستطلاع وتحقيق / الحقيقة
( الجزء الأول )
فرنسا دولة متحضرة كيف؟ يجيب سانت لوران: لأنها تعرف كيف تصمم ثيابها وفرنسا دولة تحترم الديك كثيرا لأنه يرتبط بالأمل لصباح جديد فكان شعارها الوطني في مناسباتها التي قد تصل إلى الإلف في الليلة الواحدة لان الفرنسي يعتبر إتمامه تأليف قصيدة مناسبة ينبغي الاحتفال بها في مطعم مكسيم وفي الضد العربي حين يؤلف قصيدة فانه يخبئها عن عيون الرقابة والعسس وكأنه يمتلك ممنوعا قد يأخذه إلى (أبو غريب وأبو زعبل وأبو شوارب) ولا ادري لماذا اغلب سجوننا العربية الفارهة تنتسب إلى (أبو)؟ تاريخيا العلاقة الفرنسية العربية
تعود إلى رغبة عبد الرحمن الغافقي بالوصول إليها يوم كانت الأندلس حصنا عربيا تتورد على خدوده أمجاد العرب ولكنه خسر هذه الرغبة في معركة بلاط الشهداء ومن يومها لم يفكر العرب بالذهاب إلى هناك بقدر ما تفكر فرنسا بالإتيان إليهم في حقب كانت اشد حقب العروبة ظلاما عندما قاسمت العمة فكتوريا بلاد العرب من تطوان إلى بغدان فكانت المغاربية العربية وبلاد الشام حصة مشاعة لها ومن يومها بدأ الصراع الحضاري وكانت لفرنسا الغلبة فيه وقد بشرت بالفرنسية كدين ينبغي أن يخضع الشعوب إلى ما يفكر به قصر فرساي لاكما يفكر به إمام الأزهر أو داي تونس أو سلطان فاس واشد بلد لحقته فرنسة البندقية المتوحشة للفيلق الإفريقي وهو فيلق فرنسي مسلح اغلب جنوده من أهل المستعمرات الفرنسية وهم أشبه بمرتزقة أجانب كان ذلك البلد هو الجزائر الذي طبقت عليه الفرنسة بحذافيرها وما زالت ثقافتها وتأثيرها الاجتماعي ماثل حتى هذه اللحظة بل ان أشهر مفكري وأدباء هذا البلد هم من الذين يكتبون باللغة الفرنسية وعبارة الشاعر الجزائري (كاتب ياسين): (اللغة الفرنسية هي منفاي الذي أحبه) دليل على أن الفرنسة نجحت كثيرا ولكن الثمن بحر من الدماء التي لم يتم الاعتذار عنها رسميا بالرغم أن ديغول نوه بذلك وكادوا يغتالونه لأجل هذا ولكن زيارة شيراك الأخيرة للجزائر حملت بعضا من هذا المعنى. التاريخ الحضاري لفرنسا تاريخ عريق وهو امتداد للفهم الجرماني المولود من الفكرة الإغريقية والرومانية والتي ظلت في عتمة الحروب وأفكار الكنيسة الخاضعة لمحاكم التفتيش زمنا طويلا ولكنها بعد انهيار أحلام الحملات الصليبية ونزوح ملوكها من عائلة بوربون إلى ترف الفكرة والرومانسي المشحون برغبة الارتقاء الى اللذة مع الملك تغيرت الحياة وصارت تشجع الأنماط الجمالية في الحياة كالفنون الموسيقية والتشكيلية والشعر ومن ثم المسرح وأيضا كان للفلسفة الحديثة التي اشتغلت على تطوير الموروث الفكري الروماني والعربي دور في تفعيل رؤى الحضارة الأوروبية التي كانت فرنسا تمثل أكثر وجوهها المشرقة رغم السلطة الإلهية التي حاول آل بوربون أن يحكموا فرنسا فيها والتي تهاوت مع انهيار أسوار سجن الباستيل في الثورة الفرنسية التي تغذت من أفكار جان جاك روسو وغيره لتصبح بعدئذ مشعلا للتنوير الثوري في عموم العالم ولكنها تراجعت مع نمو الديكتاتوريات الثورية التي كان من محصلتها أن تضع رقبة خطيب الثورة روبسبير تحت ذات المقصلة التي وضع رأس ماري أنطوانيت تحتها. ورغم أن الثورة تحررية فإنها لم تتخل عن طموحها الاستعماري وظلت تحاول أن تثبت نديتها إلى الاستعمار الآخر الذي تمثله بريطانيا والتي دخلت مع الفرنسيين في حروب طاحنة كانت لحروبها البرية الغلبة للفرنسيين أما في المعارك البحرية فكانت الغلبة للانكليز دائما. في علاقتها مع العالم العربي أرادت فرنسا أن تجرب السيف الصليبي على خلفية فكرة الهيمنة التي ولدت في الغرب بعد انهيار الإمبراطوريات العربية ووقوع الوطن العربي تحت هيمنة الطوائف الغريبة بدءا من البويهيين مرورا بالمغول وحتى حكم آل عثمان لكن نابليون بونابرت الذاكرة العسكرية اليقظة والطموح الذي اقنع وريثي ثورة 14 تموز الفرنسية انه آت ليحيي مجد فرساي خطى بالفكرة الاستعمارية إلى شيء من حداثة الاحتواء عندما استيقظ ذات ليلة من فراشه الإمبراطوري وقيل انه شاهد ملكا فرعونيا يخرج من الرأس الهائل لتمثال ابي الهول ويدعوه إلى القدوم إلى مصر لتكون قاعدة انطلاق لفتوحاته الطموح ولكسر شوكة الانكليز الذين يكرههم كثيرا وهكذا اعد نابليون واحدة من أضخم الحملات العسكرية وتوجه الى مصر عبر طرق بحرية مخادعة أراد فيها أن يتحاشى الاصطدام مع الأسطول البريطاني وكانت مصر وقتها خاضعة لحكم المماليك وبالفعل نجح في الوصول في مسيرة درامية ولكن المهم في هذه الحملة هو من رافق نابليون من مفكرين وعلماء وذهنيات أراد بها القائد الفرنسي أن يشعر المصريين انه لم يأت كفاتح إنما كمحرر تنويري وكان لعلمائه ومثقفيه الذين أتوا معه مساجلات فكرية مع علماء مصر فيما يخص الرغبة الفرنسية التي كشفت فيما بعد أن هذه الواجهة التنويرية إنما هي جزء من سيناريو الاحتلال والرغبة بفرنسة مصر على أساس أن هذه البلاد كانت في يوم ما واحدة من أشهر المحميات الرومانية وان قيصر الذي أخذه الهوى بجمال الملكة المصرية كليوباترا كان يقول عن مصر أنها ضاحية روما الجنوبية.









