علاء كريم
إن متغيرات الواقع التي تطرح عبر أزمنة متعددة، تبحث عن إجابات جديدة لكل حقبة زمنية، شرط أن لا تتجاوز جوهرها الرئيسي، وخصوصية الطقس الذي تؤديه، كثيرة هي الوقائع الشائعة في المجتمع، يؤخذ منها ما هو أكثر تاثيراً على الناس، والذي يحاكي واقعهم، وشعائرهم، التي تصور جذورهم التاريخية المليئة بالثورات والمتغيرات الفكرية، والنفسية.
مأساة كربلاء تعد من أعظم مآسي التاريخ، تجسدت خلالها واقعة (الطف) وأصبحت رمزاً من رموز القضايا والحقائق التاريخية والإنسانية، وقد يحملنا الفضول والحزن، عندما تمر علينا ذكرى (عاشوراء)، الى قراءة مشهدية لاحداث هذه الواقعة، والبحث في ذاكرتنا عن صور، وافعال، نستطيع عبرها تكوين مشهد تراجيدي لها بشكل معاصر، نعيد خلاله انتاج الصور، والافعال، برؤية تعمل على تغير مفهوم الواقع بمعنى آخر.
بعدما قرأت كتاب (الحسين وارث آدم) للدكتور (علي شريعتي)، توقفت عنده كثيرا لما يحمله من فلسفة فكرية، وصورية، إذ يؤكد عبر سطوره أنه في إحدى ليالي (عاشوراء) كان في حيرة من أمره، حيث فكر أن يذهب إلى مجالس التعزية المنعقدة حينها، يقول: صرفت النظر عن تكملة أعمالي، وكانت ليلة غير عادية، في لحظة من التفكير يؤكد (شريعتي) على تغير وجهته وبدل من ذهابه إلى مكان التعزية والاستماع إلى تاريخ المصيبة، فمن الأفضل أن يكتب هو هذه التعزية كما رسمت في مخيلته، وهذا ما تجسد فعلا وكتب؛ “ستارة من الدم تنسدل أمام عيني: انظر الى صحراء محترقة، ذات سماء بلون الخجل وشمس زرقاء في حالة ذوبان، وجو يمطر النار، وبحر من الرمل يمتد من الأفق الى الأفق، فهو يرغي من الدم الجديد الذي لا يزال يفور… الخ”. جسد عبر هذه الكلمات احداثا عالقة في ذاكرته عن الواقعة، وقد رسمها نتيجة التأثير المباشر على حواسه، وحالته النفسية، ليقول كلنا نستطيع أن ننتج مشهدا لهذه المصيبة، بشرط أن تتوفر لدينا الادوات، وأن نحس بما نكتب. لعل فعل المشهد الجاد، الذي حاول مقاربة المأساة وربطها بالحدث اليومي، يستطيع كشف الصراع بين القوة المتضادة (الخير – الشر).
كما يستطيع أن يعبر عن مأساته الخاصة ومايشعر به من اجتراح اللغة البصرية لمقاربة واقع الفعل المأساوي بشكل يتعاطى مع المتغيرات الزمنية، كل هذه الصور تستفز الإنسان وتستنهض قدرته لاستيعاب وتفحص ما آلت إليه الأمور، فالكم الكبير من جرعات العنف والتخييل المفرط تشكل عبئاً على العمل ومعه برز تساؤل بريء: أين يجري هذا العمل في المخيلة أم في الواقع؟ حقيقة التخيل وبناء المشاهد عبر الذاكرة، عملاً شاقاً وخاصة اذا حاولنا توظيف الأحداث مع واقعنا.
كربلاء تشكل الوعي الحركي الثائر على الظلم والفساد، وباتت مع تقادم الزمن أكثر رسوخا في وجدان الضمير الحي، وبعبارة أخرى: إنها واقعة قفزت فوق الزمان والمكان مستمدة رمزيتها من عنفوانها، بل أصبحت شعلة متوقدة تسمو بالإنسان إلى مرتبة اعلى. وهذا ما خطه الدكتور (علي شريعتي) بكلمات جسدت صورا مشهدية مؤلمة.. منها: “اسحب ناظري الى اعلى الرقبة التي مثل قمة حراء، انبثقت من جبل، ونزلت عليها كل ضربات التاريخ بلا رحمة، دقت وجرحت بشكل مهول لكنها لم تنحن… ارفع ناظري من خيوط الدم التي تجري عليها ثانية إلى أعلى.. وفجأة.. هناك مظلة من دخان وبخار كأنه كتلة متراكمة من الغبار في الفضاء وكأنها من انفجار.. ولا شيء بعد!
تعتصر قبضة ما قلبي بوحشية!” هذا الاسترجاع الصوري لزمن حقيقي، بشكل افتراضي يكون منصة جديدة تستبطن المعاصرة وتعيد القراءة داخل وخارج السياق لتنتج مقولتها في بناء شخصية البطل وفي خلق المعادل الفكري لأزمة إنساننا المعاصر، لذا كل سنة نستعيد في وعينا وحياتنا كربلاء، وقيمة عاشوراء، ويكون لنا معها لقاء نستمد بوساطته حيوية تدفعنا الى مواقع متقدمة اذا عمل بها بالشكل الصحيح.









