ثقافية

المجموعة الشعرية "تلوين الاعداء" لعبود الجابري والحرب

قراءة:داود سلمان الشويلي

 

تطرح المجموعة الشعرية التي صدرت في العراق مؤخرا للشاعر عبود الجابري المعنونة”تلوين الاعداء”مجموعة من الظواهر المعنوية”من المعنى”التي تحفل بهاقصائدها،ومن هذه الظواهر:

– ظاهرة”الانا”المهيمنة بشكل ملفت وبارز للعيان،حيث يشكل هذا الظهور ظاهرة كبيرة وواسعة،وهذه “الانا”اما ان يذكرها صراحة او من خلال ضمير المتكلم،فتكون مستترة خلف لغة القصائد. ومرد ذلك هو احساس الشاعر بفقدان ارتباطه الدائمي بالاشياء. والشاعر غريب في بلد غير بلده العراق وهو (الاردن).

يقول في قصيدة (أسكن بغداد ..كم يلزمني لأحترق بعيدا عنها؟-ص41):

(- عن المدن التي اختلتْ بي عارياً).

( – وعن المدن التي اختليت بها محتشمة).

( – عن النساء اللواتي يلبثن في المساجد).

يردد لفظة”لست”في قصيدة”نصوص المدينة”اكثر من مرة:”لستُ منْ هذهِ المدينة”،وكذلك في قصيدة” أطلقي عليه النار ….لقد أبصرته الخيول”،وقصيدة” في البحر …مُصادفة”،وقصيدة” تلوين الاعداء”،وقصيدة”تصويب”وغيرها من القصائد، وهذا معناه ان هذه”الانا” بصيغتها المذكورة والمستترة تبقى هي المهيمنة على اجواء القصيدة.

– والظاهرة الاخرى التي تمتاز بها المجموعة هي خلو قصائدها مما يسمى بالاعداء.اي لا عدو عنده.

يقول في القصيدة التي تحمل عنوانها المجموعة ” تلوين الاعداء”:

((أنْ أنصرفَ إلى تلوينِ أعدائي

بالفحمِ هذه المرَّة

يا ألله 

لا أعداءَ لي)).

إذ ان قصائد المجموعة لا تحمل ما ينم عما نسميه عدوا،ان كان هذا العدو في ساحة المعركة،او كان في الحياة العامة،فالشاعر ارتأى ان يضع هذا العنوان على مجموعته ليشمل كل القصائد التي فيها،سوى القصيدة التي نحن بصدد دراستها في هذه السطور، وهي قصيدة “رسائل في ثنايا المتاع”التي تذكر فيها الحرب، وادوات الصراع فيها.

– والظاهرة الاخرى،هي ظاهرة الحرب،الحرب التي تقع في المواقع الخلفية لها ،والتي كتب فيها قصيدة طويلة بعنوان “رسائل في ثنايا المتاع”التي يقول فيها:

((لستُ أخافُ عليك

حينَ تمضي إلى الحرب

جلُّ ماسيحدثُ لك

هو الموتُ صديقُنا الحميم

وأدنى ما نفرحُ به

جرحٌ غائرٌ في ذراعك

يعيدك إليَّ ثانيةً

وربّما يأسرُك جنديٌّ وسيمٌ

لايحبُّ القتل

ويحزن عندما يرى في وجهكَ الخائف)).

إذ ان الآلاف والآلاف من النتاجات الادبية كتبت عن الحرب،ومن ضمنها هذه القصيدة.

***

بعد هذه المقدمة القصيرة نتساءل:هل كتب على العراقي ان يبقى سيفه مشهرا في سوح الوغى والجهاد ليل نهار؟ وهل كتب عليه ان يكون كل ما فيه منذورا للموت و”الشهادة” في هذه الحرب؟

اسال نفسي دائما انا الذي اسطر هذه الحروف وقد فقدت احد ابنائي، الضابط في الجيش العراقي شهيدا منذ اكثر من عشر سنوات،واصيب ابني الثاني في حربه مع داعش اصابة قاتلة لولا تدخل الاطباء في العراق والمانيا لما بقي حيا،ويأتي كاتب القصة القصيرة،او الرواية،او الشعر،ليسجل لنا هذه الميتات،والاصابات،في الحرب منذ اكثر من خميس عاما من عمر العراق المعاصر،فتكون عندنا سلسلة من قصص الحرب،واخرى من رواياتها،وثالثة لشعرها،وكأن العراق لم ير في حياته سوى الحرب،والحرب، ثم الحرب.

في اغنية تدعو الى الحرب،يقول كاتب الاغنية المرحوم كاظم الركابي:

((احنه مشينه للحرب

عاﺸﮓ يدافع من اجل محبوبته ..

احنا مشينه للحرب …

وهذا العراقي من يحب …

يفنى و لا عايل يمس محبوبته ..

احنه مشينه للحرب

حتى الوطن سالم يظل لجيالنا

لجل الطفولة واللعب ما تحترك يوم بلهب عدوانا

احنه مشينه للحرب

حتى الورد ما يختفي من ربوعنا)).

وهي اغنية تدعو الى الحرب لانها ستحافظ على الكثير من اهتماماتنا،في حب اطفالنا،وموطننا،وعشقنا،وورودنا الجميلة،امام عدو غاشم لا يعرف من لغة سوى لغة السلاح.

كتبت قصيدة”رسائل في ثنايا المتاع “على لسان امرأة تخاطب الرجل(زوجها، خطيبها،حبيبها) وهو في ساحتها ليدافع عن كل الذي قالته قثيدة الركابي.

تنقسم القصيدة الى اقسام ثلاثة،في الاول منها تقول:

((لستُ أخافُ عليك

حينَ تمضي إلى الحرب

جلُّ ماسيحدثُ لك

هو الموتُ صديقُنا الحميم)).

وفي الثاني تردد قائلة:

((في الحرب 

لا أفكر بك خاسرا أو منتصرا

أنا امرأة 

تحمد الله كثيرا على أقلِّ الشرور)).

وفي الثالث تطلب منه ان:

((لاتعدْ من الحرب سالماً

فالنساءُ الجميلاتُ

يرسمنَ وجهكَ بالطباشير

على أسوار المنازل)).

وبين القسم الاول والثالث اختلاف في تفكير المرأة،وهاجسها الذاتي،إذ انها في القسم الاول تؤكد على عدم خوفها من الحرب على رجل القصيدة،فيما تقول في القسم الثالث انها لاتريده ان يعود سالما،فيما تصف نفسها في القسم الوسطي”الثاني”بأنها امرأة لا تهمها النتيجة التي تصل اليها الحرب،المهم ان يكون سالما،او مصاباً،او مقتولا”شهيدا”لانها في الحالات الثلاث تحمد الله على كل حال.   

تقول في القسم الاول بإنها لا تخاف الحرب،وفي الثاني لاتهمها النتيجة،وفي الثالث توصي الرجل بأن لايعود سالماً منها،لاننا نعلم ان الحرب طالت او قصرت ستترك جراحا او ندوبا ان لم تقتل الانسان مهما كان مكانه في ساحة المعركة،ان كان في الامام،او في الساحة الخلفية.

هناك تشويش في فكر هذه المرأة مرده الى تأثير الحرب عليه(ـا)،فمرة انها لاتخاف، ومرة انها لا تريده ان يعود سالما.

في الاول تفترض امرأة القصيدة ان هناك ثلاثة اشخاص هم:هي،ورجل القصيدة،وجندي من العدو الذي يأسر رجل القصيدة وهو لا يحب القتل،حيث يدور بين الرجل وآسره حوار يتفقان فيه ان ينتظرا نهاية الحرب ليبحثا بعد ذلك عن نسائهما.

وامرأة القصيدة لا تفكر بنتيجة الحرب،ففي القسم الثاني نعرف انها لا تفكر بما ستؤول اليه هذه الحرب،إذ انها لاتحب شيئا سوى حبيبها الذي دست صورتها في متاعه،وهي تعرف ان هذه الصورة ملازمة له،وفي أي مكان وزمان من المعركة.

ولشدة حبها له تطلب منه ان لا يعود من الحرب سالما،انها تريده مصابا على الاقل، لان النساء الجميلات الاخريات،المحبات له،يرسمن وجهه بالطباشير على جدران المنازل،وسيأخذنه منها،انها تريده لها،ولها فقط،انها تنتظره حتى لو أتى به شهيداً.

هذا القسم من القصيدة يظل محيراً لمن يسمعه او يقرؤه،ذلك لان امرأة القصيدة تطلب من حبيبها ان يعود اليها إما مصاباً،او مقتولا.

هذا الطلب  إما ان يكون طلباً عدائياً،او طلباً انانياً،الا ان القصيدة لا تشير الى ان المرأة عدائية في توجهها،فهي إذن انانية في طلبها،لكنها انانية محببة غير عدائية.

أي عشق هذا الذي توصي به امرأة حبيبها ان يعود من الحرب مصابا او ميتاً! ،انها تريد منه ان يبتكر ميتة ويعود اليها،لها وحدها:

((ابتكر ميتةً صغيرة

تليقُ بخوفي عليك)).

هذه القصيدة تنضح عشقاً في زمن الحرب،وحرباً في زمن الحب.انها تذكرنا برواية الكاتب الالماني”إريش ماريا ريمارك”التي عنوانها”للحب وقت و للموت وقت”، التي تجمع بين الحب والحرب اللذين لا فرق بينهما سوى حرف”الراء”،لهذا يقول في قصيدة” وطنٌ كامل”:

((لديَّ رغبة كبيرة

أن أرسم رجلا بوطنٍ كامل

يكتب 

قصيدة حبٍّ كاملة)).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان