ثقافية

ق.ق.ج."عطف" لعبد الله الميالي وكسر توقع القارئ

 

قراءة:داود سلمان الشويلي

 

المسافة هذه تملأ بالموروث العرفي والاسلامي للقارئ العراقي الذي كتبت ونشرت من اجله،والموروث هذا هو الحيثيات التي رافقت النص المتعالي،القرآن والحديث النبوي،والذي نوهت عنه قصتنا هذه.

القصة التي بين ايدي هذه الدراسة هي من هذا النوع،اذ انها تبلور كل ما في مميزاتها،ومواصفاتها السردية، والنوعية،لتصل الى مثل هذه النهاية التي تكسر توقع القارئ.

هذا النص القصصي القصير جدا يطرح سؤالا مهما عن الاحاديث النبوية،في هذا الوقت لصعود الحركات الاسلامية وتصدرها في المشهد السياسي الحاكم في العراق.والسؤال هو:هل الاحاديث هذه تفيد الامور التي يطرحها الواقع،ام لا؟

الواقع المعاش يطرح قضايا ومسائل اجتماعية مهمة تحتاج الى حلول مباشرة،فيما اللغة بصورة عامة تطرح هذه القضية،وقضايا اخرى،منها انها تطرح قضايا مفارقة للملموس والمحسوس الذي له علاقة بالانسان،هذه القضايا المفارقة هي الابتعاد بالانسان ورميه في بئر الميتافزيقية مكبلا،وتركه هناك يصارع القوى المحيطة به.

لنقترب اكثر من نصنا القصصي المكتوب بهيئة القصة القصيرة جداً،ونفككه،لتسهل دراسته،ومن ثم معرفة القيمة الابداعية له.

تتكون هذه الق.ق.ج. من اربع حركات سردية،هي:

– الحركة السردية الاولى:(افترشتْ باب المسجد تستجدي لأطفالها)،حيث نجد امرأة القصة قد جلست عند باب احد المساجد تستجدي لكي تسد رمق عائلتها، وهذا الامر يتكرر آلاف المرات في مدننا الاسلامية، حيث طبيعة مجتمعنا بثقافته الاسلامية تستدعي هذا الامر ، بالعكس من المجتمع الاوربي ، ومجتمعات الدول المتقدمة في ان المحتاج الى المال يستجدي بطريقة اخرى كأن تكون مصاحبة للموسيقى او أي فن جميل.

– الحركة السردية الثانية:(رقَّ لحالها إمامُ الجّماعة).هناك امام المسجد الذي رق لحالها، وهذه الجملة بما تحمله من لغة مقتصدة ومكثفة توحي للمتلقي ان هذا الامام سيمنحها بعض النقود.

– الحركة السردية الثالثة:(مدَّ يدهُ إلى جيبهِ).الحركة هذه تؤكد توقع المتلقي بإن امام المسجد سيمنحها النقود،لان الجيب هو المكان الذي يخفي النقود في الملابس.

– الحركة السردية الرابعة:(أخرج حديثاً عن فضل الصوم).الا اننا كمتلقين نرى الامام هذا قد كسر توقعنا بأنه سيمنحها النقود،فأخرج من جيبه ورقة مكتوب عليها حديث نبوي في فضائل الصيام،والمتلقي يعرف،كما تعرف هذه المرأة،ان الصيام لا يغني ولا يسمن اطفالها الجوعى.

في الحركة الاولى:من المعروف في المجتمع الاسلامي ان البعض من اصحاب الحاجات المالية يجلسون عند باب المسجد لكي يتفضل عليهم الناس الذين يدخلونه ببعض المال،لان الداخلين للمسجد،من المفترض انهم مؤمنون،وسيقومون بالعمل الصالح الذي يدعو له الاسلام وهو(تقديم الصدقة لمستحقيها)،اذ عليه ان يدفع بعضا مما “رزقه الله”حسب المفهوم الاسلامي،لهذا نجد امرأة القصة تأخذ لها مجلسا عند باب المسجد.

في الحركة الثانية:نرى ان امام المسجد قد رق لحالها،أي انه تعاطف معها،وكان عليه ان يدفع لها صدقة،الا انه لم يفعل.

في الحركة الثالثة:مد يده الى جيبه،وهذا معناه انه سيتصدق عليها الا انه لم يفعل.

في الحركة الرابعة:نرى ان الذي اخرجه من جيبه هي قصاصة ورقية مكتوب فيها حديثا نبويا عن فضائل الصيام.

بين الحركة السردية الثانية والحركة السردية الرابعة والاخيرة تنهض هذه القصة عاليا لتكسر توقعات القارئ،وتعمل شيئاً يخلخل ما في ذهنه من توقعات بناها على مضمون القصة،وما ترسب في ذاكرته من عرف وثقافة اسلامية،في ان امام المسجد سيعطيها صدقة مالية،على اساس انه مؤمن وامام جماعة،الا ان توقعه هذا ذهب ادراج الرياح.

في هذا النص القصصي نجد ان توقع القارئ يختلف عن النص القصصي،او ما هو مضمر فيه،وقد حصل عدم انسجام او تطابق بينهما،لهذا فقد حصلت مسافة جمالية كما يسميها”ياوس”،لهذا فإن القارئ سيساهم كثيرا في انتاج هذا النص القصصي، فيعيش لحظة الاندهاش والمفاجأة.

يستند القاص في نصه هذا على الواقع المعاش في هذا الزمن،حيث اصطبغ كل ما في لا وعي العقل الجمعي للمجتمع العراقي بصبغة دينية،حقيقة او ادعاء،وهذه الصبغة قد اتت من تسلم الاحزاب والتكتلات الدينية لسدة الحكم،فانعكس ذلك على قصة”عطف”التي قدمها القاص عبد الله الميالي،ببناءقصصي قصير جداً.

“عطف”تنقل لنا ما في الواقع من امور لها مساس بالمجتمع و”الاخلاق الدينية”،تلك الاخلاق التي باتت من ضمن اعرافنا الاجتماعية على انها من الدين،نسي هذا المجتمع ان هذا العادة”المساعدة المالية”هي قبل كل دين،كباقي الاخلاق الاخرى التي يحاول ان يجيرها الدين له،وعندما تمسك بها رجال الدين حولوها الى امرغير اخلاقي،إذ تحولت على ايديهم من حالة مادية الى حالة معنوية لا تفيد او تنفع السائل،لا تغني ولا تسمن،فكان الامام قد حول هذه الاخلاق من مادية”نقود او طعام او ملابس”الى شيء معنوي،ورقة كتب فيها حديث نبوي عن فضائل الصوم،ولا يحث عليه،وكأن المرأة المحتاجة لسد رمقها ورمق عائلتها،ستسد رمقها،او حاجتها،بمثل هذا الحديث الذي لا يسمن من جوع.

ان اقتراب القصة من الواقع المعاش،والخوض في اموره الجيدة والسيئة،هو هدف القصة منذ نشأتها الاولى،الا انها ابتعدت عنه في ازمان كثيرة، فاستخدمت الاسلوب الرمزي تارة،والاسلوب الفنتازي تارة اخرى،وغير ذلك من اساليب،حتى ضاع الاحساس بهموم المجتمع، ،وغاب وغام عن نظر المتلقي،فأصبح كالغبش في وضح النهار، وهيمن الهم الفردي والذاتي على الابداع.

ان تقديم القصةهذه بجمل قصيرة كالبرق،وبلغة اقتصادية مقتناة،وموحية،وبتكثيف ابداعي ودقيق،قد جعل من هذا النص يبنى ليكون قصة قصيرة جداً، تتطلب الجمل القصيرة،واللغة الاقتصادية والموحية،والتكثيف الابداعي.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان