ثقافية

في ملتقى بيتنا الثقافي هناوي ومحاولة الموازنة بين الأكاديمي والجمالي والإجتماعي

نهضة طه الكرطاني 

 

لقد استطاعت أن تنقل الدرس الأكاديمي النقدي إلى خارج أسوار الجامعة من خلال ما قدمته من مجموعة من المقالات النقدية المهمة والدراسات في المجلات العراقية والعربية ومن خلال ما أنتجته من كتب مهمة على مستوى النقد. 

والمعروف في الجامعة، أن هناك سورا أو جدارا كبيرا لا يمكن أن يخترق بسهولة، فالجامعة محيط مغلق كما يعرف الجميع. لكن الدكتورة هناوي استطاعت أن تخترق هذا السور وأن تخرج خارج أسوار الجامعة وتنطلق إلى فضاءات أوسع لتشكل نقطة مضيئة في النقدية العراقية وتمارس هذا النشاط بموضوعية عالية وبدقة متناهية تحسب لها. 

وتحدث الناقد فاضل ثامر  عن هناوي قائلاً: اضطلعت الناقدة والباحثة الدكتورة نادية بدورٍ كبير في نشر الثقافة النقدية، وكانت إطلالتها إطلالة متميزة وعلمية وموضوعية استطاعت أن تكسب ثقة القارئ العراقي والناقد العراقي أساساً في سرعة كبيرة مع أنها لم تكن معروفة قبل هذا التاريخ وأتذكر أني تعرفت عليها بشكلٍ شخصي عندما كانت تشرف على أطروحة ماجستير لطالبة في الجامعة المستنصرية عن منهجي النقدي (فاضل ثامر ناقداً).. وكانت هي الأستاذة المشرفة وبعد ذلك توالت نشاطاتها وكنت أنا إلى جانبها واستطاعت أن تغني المكتبة العربية والعراقية، وكانت ناشطة وتساهم في الكثير من المؤتمرات المحلية والعربية وتنشر في المحافل والمجلات وترسل بحوثها إلى مؤتمرات ثقافية مهمة في عدد من البلدان العربية في مصر والجزائر والمغرب مما بوأها مكانة تستحقها في هذا المجال. 

إن المجال الذي اشتغلت فيه الدكتورة واسع جداً وهو يتعلق بإشكاليات الحداثة أساساً، والمنهج الذي تناولته هو منهج أكاديمي، يزاوج ما بين الموضوع الأكاديمي بما فيه من انضباط عالٍ، وبين التوثيق النقدي المسجل، فلهذا فهي تنتمي إلى هذا الفضاء، المشترك بين هذين العلمين وهو المطلوب، وأحياناً نحتاج إلى الخروج من تزمت المديات النقدية كأكاديميات وتمسكها ببعض الشكليات غير الضرورية، فلهذا قدمت طروحات مهمة، قدمت اشتغالات على مستوى واسع وبدأت في مرحلة سابقة تتناول ظواهر معينة أو تتناول كاتباً أو شاعراً كما فعلت مؤخراً في دراسة خاصة للزميل ذياب مجيد… ولديها اشتغالات مهمة في مجال المحورية الأدبية في مجال النقد الثقافي، وفي الكثير من قضايا النقد النسوي، والنقد العربي واشتغالاته. 

كتابها الأخير يمثل إضافة مهمة في المكتبة النقدية يحمل عنوان، (فضاءات المقاربة ومديات التطبيق) يحتوي على مجموعة من الدراسات، وربما يتساءل القارئ ماذا يعني مصطلح ما بعد النقد، وهو على ما يبدو مصطلح بديل لمصطلح ما نسميه نقد النقد، أو ما وراء النقد، الذي كانت تميل له دوماً. 

عند قراءة الكتاب تجد أنها تتحدث عن نقد النقد أو ما بعد النقد، لقد وضعت الحرف (و) ولم تضع (أن) كما أن هناك مصطلح نقد النقد، ومصطلح ما بعد النقد، الإشكالية الأخرى تتمثل في وجود البادئة في اللغة الإنكليزية أو اللاتينية والفرنسية التي دخلت إلى اللغات وتعود إلى العصر الافلاطوني عندما استخدمت كلمة (ميتافيزيقي) وبدأت النظريات تتجه اتجاهاً ميتافيزيقياً، وظهر هذا المصطلح وكان الاستخدام الواسع لمفهوم الميتا في السبعينيات وفي كتابي النقدي الميتاسردي في الرواية قدمت مقدمة وافية بخصوص دلالة هذا المصطلح أو البادئة في اللغة الإنكليزية التي تتشكل فيها الكلمات إما بإضافة مقطع بداية أو مقطع ختامي وهو ما يغني الكلمة ويعطيها مديات جديدة. 

ونحن نعرف أن النقد هو بالأساس فعالية تتجه لإعادة تقويم وقراءة ومساءلة نص الكاتب، والناقد يقف أمام نص شعري أو نص سردي فهنا يكتب نقد، أما عندما يتناول نقداً آخر، أو ناقداً آخر فهذا معناه سيوجد لغة ثانية، لغة نقدية على لغة نقدية ثانية، لنقل أن مفهوم نقد النقد أو حتى ما وراء الرواية أو ميتا الرواية معناه اشتغال ثان للجنس نفسه. ولعل من أهم كتب نقد النقد هو كتاب تودوروف الذي ترجمه عام 1986 الناقد سامي سليمان وهو من الكتب المهمة وربما واحداً من الكتب النادرة التي بدأت هذا المشروع. والآن يعد من الأمور الشارحة لدراسات ما بعد النقد، لكن تتطلب آليات معينة تختلف عن النقد بمفهومه الواسع، لأن النقد يدخل إلى البنية إبداعية نصية مكتتبة، أما بالنسبة لنقد النقد فهو موضوع أكثر تعقيداً لأنه أكثر تحاورا، فالناقد يحاور ناقد فذلك حوار عقول، مما يتطلب من الناقد الإلمام بثقافة هذا الناقد والمصادر الثقافية والمصادر الفلسفية التي شكلت وعيه، وبالتالي أنت مطالب أن تكتشف كيفية تعامله مع المناهج النقدية، ما هي وظيفته، وهنا ستتوجه الأهمية خاصة لاكتشاف المنهج، آليات تشكل القراءة النقدية، عملية التأويل التي يلجأ لها، الأساليب التي يستند عليها، نوع اللغة والصياغة التي يتحدث عنها، إذ لم يعد الخطاب النقدي مجرد وسيلة أو وساطة بين القارئ والنص، وإنما أصبح نصاً إبداعياً ولهذا يرقى دوماً بمستويات وعيه إلى أن يكون إبداعاً من طرازٍ خاص، ونعرف أن النص يقدم نوعاً من اللذة حتى الشبقية. 

ولهذا نجد أن لغة الزميلة الناقدة في هذا الكتاب هي لغة أكاديمية ولكنها لغة شفافة ورقيقة تدخل وتستغور أعماق هذه المشروعات النقدية. وكانت دقيقة في متابعاتها وفي التقاطاتها. 

أيضاً كتبت عن النقد النسوي وفي دراسة صغيرة استطاعت أن تتناول عشرات الناقدات العربيات، خاصة في مصر، ووفاء لإنجازهن وقفت بذكاء إلى إلماحات نقدية مهمة وبالنسبة للاشتغالات المهمة الأخرى التي قدمتها في المجالات الكثيرة تناولت في سبيل المثال إشكالية ظاهرة النقد الأدبي وهي قمة الدراسات النظرية، ووفق الكتابات التطبيقية، وأيضاً حققت عن قضايا جمالية واستطاعت أن تدرس المنهج النقدي للناقد والشاعر المعروف ت. س. اليوت، وهي لم تهتم بأعمال عبد الرحمن الربيعي فحسب، أنما اهتمت بالظهور النقدي، وأيضاً تناولت إشكالية التوجه النقدي في العراق، ومنذ البداية كان اشتغالها على ما يبدو هو نقد النقد وهذه فضيلة تحسب لها، وهذا يضعنا أمام مسألة أن المشروع النقدي الحديث لم يلتزم، فالنقد الأدبي استطاع أن ينظم لتقنيات السرد، السينما، اللوحة،…الخ لكنه لم يتوقف أمام شعرية النقد، كيف يتجسد؟ طبيعة تشكله؟ أسلوبيته؟ إلى الآن لا توجد نظرية، توجد كتابات تكتب في شعرية النقد وترقبات وتنبؤات النقدية. 

مشروع نقد النقد يضعنا في خضم هذه الإشكالية من خلال إعادة تفكيك القراءات النقدية، واستغوارها واستظهارها للمديات النقد النصية وبذا نستطيع تحديد الكثير من المشاكل التي لم تكن واضحة أمام مشروع العملية النقدية. نحن بحاجة إلى الاجتهاد جميعاً في الاشتغال لمعرفة ما تقدمه العملية النقدية.  

وبالتأكيد، فإن كتاباتها حاولت أن توازن بين ما هو أكاديمي وبين ما هو جمالي وما هو اجتماعي وهي في جميع الأحوال لا تتخلى عن الوظيفة الاجتماعية للثقافة والأدب، لهذا نجدها تقف دائماً إلى جانب الإنسان في تطلعاتها وكتاباتها وتضع الثقافة بشكلٍ عام والخطاب النقدي كجزء من التحول الاجتماعي في عالم الثقافة. 

لنقل إن الدكتورة نادية هناوي مجتهدة وهي أحياناً تسرف في الانهماك في كتاباتها وأنا أشبهها براهبة النقد الأدبي العراقي لإنشغالها وانهماكها في دراسة عشرات النصوص الأدبية لتستقي لنا فكرة أو ثيمة معينة أو قراءة في مشروع نقدي كبير وهي لذلك مشروع نادر في النقدية العراقية لأنها أخذت الموضوع بذهنية منفردة ومتوهجة في هذا المجال.. وأتمنى لها الصحة والعافية لتقدم المزيد من العطاء. 

ثم فتح باب المداخلات أمام جمهور الحاضرين فتحدث الكاتب والروائي حميد الربيعي قائلاً …. لست بناقد، ولكني من الناس الذين يواكبون مسألة النقد بأشخاصها وثقافتهم مثل الدكتور فاضل ثامر أو الدكتورة نادية هناوي أو بقية الزملاء..، وبما أني قريب، كوني سارداً أحاول أن أتابع نتاج النقاد عن طريق كل ما ينشر في الصحافة أو ما يصدر من كتب في المتنبي وللمنطقة الحسية في موضوع الدكتورة نادية والاستطراد الشخصي لهذا الحضور النسوي في مجال النقد أو الإبداع… واستغرابي في حضورها المستمر والدائم في معظم الجلسات الثقافية التي تتناول الموضوع السردي. 

وأنا ،ولأول مرة اعترف بذلك، واحد من الذين راهنوا على تعب الدكتورة وانسحابها كما أشار الأستاذ فاضل ثامر، لكنها أثبتت بجدارة واضحة حضورها الدائم في موضوعة النقد القريب من الموضوع السردي. والذي يحسب للدكتورة نادية أيضاً أنها أستاذة جامعية اقتربت كثيراً من النشاط والمراس الثقافي، واعتقد أنها ميزة لا تتوفر في الكثير من الذين يعملون في المجال الجامعي، لأن الجامعة تكاد تكون مغلقة تجاه الحراك الثقافي في العراق. ولهذا نجد أن الجامعات العراقية متأخرة جداً في الحراك الثقافي الذي يدور. 

ميزة الدكتورة نادية أنها نقلت ما هو أكاديمي في علم السرد إلى الساحة الثقافية محاولة إيجاد تقارب ما بين المنهجين، فكانت قريبة جداً من الحراك الثقافي، وأعتقد أن الدكتورة ومن خلال متابعتي الشخصية وقراءاتي لمعظم النتاج السردي العراقي تكاد تكون واحدة من المواكبين باستمرار لإنتاج الرواية العراقية ومساهمتها لا يستهان بها في كتبٍ سابقة مساهمة واضحة جداً وأتمنى لها النشاط والحيوية وأن تكون من النقاد المهمين في الساحة العراقية. 

أما الدكتور فوزي الهنداوي فقال.. أولاً أحيي الدكتورة الهناوي على إنجازها العلمي المتميز وقد وجدتها من خلال متابعتي لها ولإنجازها، إنسانة رائعة، رغم عدم معرفتي الشخصية بها حتى في مجال العمل الأكاديمي الذي يجمعنا، وقد فرضت نفسها أكاديمياً ومعرفياً، وشخصياً أتابع كل ما تكتبه من دراسات وبحوث ومقالات علمية وما تصدره من كتب… فكتاباتها تتميز بأنها ذات متعة كبيرة تمزج بين الأكاديمية المنهجية وبين الانفتاح على الثقافة، وبعض الأكاديميين بحوثهم متزمتة وأحكامهم مطلقة ولا يعدو النقاد أو ما يسمى بالنقاد تناول النصوص الإبداعية بشكلٍ نظري.. ومع أننا نعرف أهمية البحث العلمي، إلا أن أهمية هذا الكتاب أنه يعالج مشكلة، من الواقع سواء اجتماعية، سياسية، ثقافية.. وتقع المشكلة في النقد الذي أصبح باباً مفتوحاً لكل من هب ودب، فالصحفي يكتب نقد، والممثل المسرحي يكتب نقد والقاص يكتب نقد، بحيث ضاعت المعايير.. فما هو النقد.. هل هو أن نقدم عرضا لكتاب يثير فيه ثيمة القصة أو الرواية مع مدح الكاتب إذا كان صديق الناقد أو ذمه إذا كان يقصد قتله إبداعياً، وهذه الطريقة في النقد مشكلة تجعل الكاتب يشك في نفسه بينما مهمة النقد هي تقويم المنجز الإبداعي وفتح الطريق أمام الكاتب وليس من أجل قتله أو النفخ فيه.. فبعض الكاتبات والكتاب في أولى محاولاتهم والمليئة بالأخطاء اللغوية والإملائية والأسلوبية يأتي ناقد أو ما يسمى بناقد ويرفع منهم إلى السماء.. هذه الظواهر لا تقوم على أسس علمية مدروسة ولهذا نقول وبثقة إن الناقدة نادية هناوي واحدة من أهم النقاد، وليس الناقدات، بدون تحيز مع تمنياتنا بالتوفيق..

وتحدث الأستاذ حميد كاظم قائلاً.. لست ناقداً ولكن في قلبي هوى للغة العربية والأدب منذ كنت طالباً في المتوسطة، واستمر هذا الهوى حتى بعد أن أصبحت فيزيائياً، حيث أعد الفيزياء فلسفة الحياة، والفلسفة بدون لغة تتيه، ولا تعبر عن المعنى ولا تصفه بصورةٍ جيدة. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان