ثقافية

قصة قصيرة الانتحار

  صبيحة شبر

                                  

مازال  ذلك المنظر ماثلا في ذهني  ، رغم محاولاتي العديدة لقلعه من ذاكرتي المجهدة ،  كل الصور تغرس في عقلي ، ولا املك حيالها نسيانا ، أصغي الى حديثها المتكرر ، وأجهد مرات عديدة أن اقلع تلك النبتة  الحنظلية ، التي تطارد سكينتي الداخلية باستمرار ، ماذا يفيدني التذكر ؟ مآس كثيرة جلبت لحياتي أياما سوداء ، مستمرة بظلالها المقيتة ، ضاغطة على أنفاسي ، سالبة مني حلاوة الأيام ، وطعما فاترا بالجميل المباغت الذي يهل علينا قليلا ، ثم يرحل ويذوب في عتمة  أيامنا المظلمة وليالينا البائسة.

صعدت إلى غرفته الصغيرة كعادتي كل صباح ، كان الأحب إلي  والأقرب إلى نفسي الموجعة ، التي أنهكتها المتاعب ، وتركتها خائرة القوى.

ورغم أن كلهم أعزاء ، الا أنني وجدت في كلماته القليلة  التي كان يلقيها محاولا الدفاع عني ، ضد عمليات اعتداء مدروسة ، تقام لسلب الأمان من روحي المعذبة ، والقضاء على الطمأنينة المسلوبة.

حياتي بائسة ، لم أجد ما  ترنو إليه الفتاة عادة ، من صدر حنون ، كانت كلماته القاسية ، تستقبلني في مقدم صباحي ، وتودعني إذا ما اظلمت الدنيا ،وودعت ضياء النهار ، وذهب كل مخلوق إلى حضن حبيبه ، يستدر منه الرأفة والحنان الذبيح ، ورغم أن الله قد منّ علي بصفات الحسان ، لا إنني كنت اختلف  ،عن  المحظوظات ببعض النعيم ، حياتي سارت خائبة ، مترعة بالمرارة وحافلة  بالحرمان.

لماذا تكون الحياة نحوي  بهذا البخل الأصم ؟ ولماذا أجد غيري ،  يغدق عليهم الأحباب ، كؤوسا من  بهجة وحبور ؟ ولماذا تمر أيامي كالحة الظلمة ، عسيرة على الاحتمال؟.

ولدي ذاك كان الحبيب ، والأخ والرفيق ، بعد أن ادلهمت أيامي ، وزاد بؤسها ، وثقل علي ، ان ألفي حياتي علقما لا يستساغ

 صعدت درجات السلم الطويلة ، وأنا احلم بان أمتع عيني  برؤية عزيز أثير ، ولكن حلمي  تبدد ضائعا ، كغيره من الأحلام التي ما فتئت تسكن قلبي المعنى ، منتظرة فرصتها لملامسة النور.

 كثرت الخصومات بيننا في الآونة الأخيرة ، ورغم ان أيامي لم تذق طعم السرور ، ولا جربت التوافق ، ولا لمست حلاوة اللمسات ، التي تنعش الفؤاد ، وترعش القلب ، وتجعل البدن مرتويا ، والعقل هادئا ونسمات من الحبور ، تهب على المخلوق ،  بل كانت الرتابة تخنق الأنفاس ، وارتفاع الصوت ، يهدد  بالويل والثبور ، يئد كل ما  ما حلمت به من جمال

ارتفع زعيقه كالعادة :

– يا لهذا الجمال الآسر ، إنها جارتنا حسناء ، رائحتها تنعش النفس وتسبي الكيان  ، ولا تبعث منها روائح البصل والثوم

 لم اجب أنا ، إنها عادة له ، يجري خلف الحسناوات ، وأنا اكدح ،للمحافظة على سلامة المنزل ، الذي اخترقته السهام ، وكأنه أحب أن يزيد ناري اشتعالا  ، أضاف:

-الا تشعرين ، أنها أنثى ، هل تدركين ، معنى أن تكون  المخلوقة أنثى وبهذا الجمال ؟

 كيف أجيب ؟ وقد جعل حياتي جحيما ، لا يطاق ، وسرق البسمة من أيامي ، المترعة بالخنوع ، و أرغمني على رؤية النجوم ، في سماء الظهيرة الملتهبة ؟

-أنت : يا من يمتزج الثوم والبصل ، برائحتها النتنة ، الا تفهمين ؟

 لم اقو على الجواب ، ولقد فقدت من كثرة لسعاته  ،ما حملته في قلبي من عطف في سالف الأيام ، عزت علي نفسي ، وصعبت حالتي وأنا أناضل من اجل لاشيء ، وأقدم التضحيات عبثا.

أسمع صوت ولدي:

– رحمة بأمي ، إنها تشقى طول النهار ، وتقدم لنا المال والطعام ، وكل ما نريد.

– اخرس ، يا ولد ، لقد أفسدتك أمك بتدليلها.

 فرحت في  البداية من دفاع ابني ، ولكن  مالبثت الغمة أن استوطنت قلبي ، حين فكرت بالأمر جليا ،  كان أبوه معروفا بلؤم  الانتقام.

   ارتقى ولدي درجات السلم ، فشعرت ببعض الاطمئنان الذي زال سريعا:

-ابنك هذا بحاجة إلى تربية.

 قضيت ليلة ليلاء مسهدة  ، تمضّني الأفكار ، وتتلاعب بفؤادي المنغصات ، أحاول أن  أهدئ غليان نفسي ، ثم تغلبني المخاوف ، وأمضي الى تهدئتها من جديد :

-انه ولده أيضا

 استيقظ  في صباح كل يوم ، راغبة في الاستماع ، إلى كلمات ولد بار عزيز ،  ولكن ذلك اليوم لم أجده في سريره ، ، بحثت في كل مكان اعتاد ، اذ يذهب اليه ، ثم عدت الى غرفته مجددا ،  كان معلقا بحبل على الجدار ، وقد أبعد الكرسي الصغير.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان