ثقافية

قراءة في رواية (فاتنة باريس)

الحقيقة – عقيل علي الذهبي

 

تتجلى في الخطاب السردي الذي أرام إليه الكاتب (جرمين راموس) في روايته (فاتنة باريس) مهيمنات عدة ؛ نختزل الحديث عن مهيمنين بارزين في المتن الحكائي ، الأول، صراعات النفس البشرية وتأثيرها في سردية النص الأدبي . تدور هذه الصراعات في البنية السايكولوجية لبطلة الرواية. جان دلانكو .الملقبة بـ (نينون) ، التي صادف مسير حياتها ، انقسمت هذه الصراعات على قسمين ، مابين تحقيق أهدافها وفي اشباع رغباتها ، هنا يقرر العقل أن يختار مابين أحد الأمرين … ولذلك جسدت الرواية حربها النفسية التي بعثرت مافيها من أحاسيس لتدخل في دوامة مع شهواتها التي ليس لها نهاية!!! ، وصراع آخر مع أنا الشخصية ، والخير مع (الحب) لتجعل منها بين نقيضين .الأب الذي كان جنرالا شجاعا متحمسا لأن يثقفها حسب ذوقه الخاص ، أنشأها على بغض الرياء والتصنع ، وجعلها تعزف القيثارة ، وتقرأ كتب الأدب ، على خلاف مراد والدتها الراهبة المتعبدة، التي حاولت إبعادها عن فكر أبيها بمرافقتها إلى كنيسة الفقراء ، لقراءة الكتب المقدسة ، والإنشغال بالدعاء والعبادة ، لكنها وضعت كتب الفيلسوف (مونتيني) و أقاصيص (مارغريت دي نافار) ، وكتاب أصول الحب الشهواني للكاتبة ( أورفيه) وكتاب الشعر … وسط الكتب المقدسة لقراءتها (ص6-7) ، بعيدا عن ميول أمها … تعلمت نيون الرقص والغنج . الصراع الآخر الفكر الذي كان بينها وبين متبنيات أفكار الرهبان ، هذا إن الرواية تدور أحداثها في العصور المظلمة في تاريخ أوربا حيث انتشر فيها الجهل و الخرافات وتميزت ايضا بانتشار الجهالات الفكرية و التقوقع على الذات و تواري الحياة المدنية في طيات التعصب و الهوس الديني و( نينون) تمتلك من اللطف و العذوبة وجاذبية الحديث والثقافة العالية التي اكتسبتها من قراءاتها المتعددة، فكانت محط نقاشات مع الأب (كاردنيال ليون) ،فهي  ترى ﻏﻄﺎء اﻟﻌﺸﻖ اﻹﻟﻬﻲ اﻟﻌﻔﻴﻒ اﻟﺬي ﻻ ﻳﻔﺮق ﺑﻴﻦ ﺷﺨﺺ واﺧﺮ ﻓﺘﺨﺮج ﻟﻤﻘﺎﺑﻠﺘﻪ واﻟﺨﻠﻮة ﺑﻪ . وهذا كان سببا كافيا لابعادها من الكنيسة -سان اوستاش- من قبل الكاهن( اوليه)  الذي تعتبرها ،تنشر أفكارا فاسدة( ص118 ) وأما الصراع الآخر فكان مع كبريائها و القادة المهمين في الجيش وهم يعيشون الصراع ذاته ،فلهم  المكانة في البلاط الملكي والأمر والنهي ، لكن عند وجودهم بالقرب من (نينيون  )فهم يركعون  تحت إمرتها  كالجنود في الحرب  ينصاعون للقائد  ولأوامرها مثل ،ألسكندر دلبان ،   والجنرال ، مارو ميوسنس، والدوق ،دي كوليني ،  وغيرهم من المقربين للملك (ص100 – ص115) أما المهيمن الثاني -بعد الصراعات – فهو المكان ،  فلم ﻳﻜﻦ ﻣﺠﺮد اﻃﺎر استثنائي ، ﻳﺤﺘﻀﻦ اﻷﺣﺪاث، وﻳﻠﺘﻒ ﺣﻮل ﺣﺮﻛﻴﺔ اﻟﺸﺨﻮص أو البطلة ، وﻳﺴﺘﻮﻋﺐ ﺳﻴﻮﻟﺔ  اﻟﺰﻣﺎن، ﻟﻜﻨﻪ ﻛﺎن ﻋﻨﺼﺮا ﺟﻮﻫﺮﻳﺎ .اعتنى الكاتب ، جرمين راموس،بخلق المكان في النص ومنحه قيمة درامية وجمالية وصورة فلسفسية ومساحة من كبيرة العشق  تتجلى جمالية المكان وحبه من قبل البطلة التي انتقلت إلى مدن عدة منها إلى مدنية ليون تبحث عن الحب بعيدا عن الألم والحرب  ثم عادت إلى باريس ، وانتقلت إلى مدينة سان جيرمان، ثم عادت إلى باريس وانتقلت إلى ضواحي باريس حيث الينابيع المتلألئة   مبتعدة عن التفتيش بالمستحيل و نظرياتها الفكرية تتلذذ بمشاهدة غروب الشمس هاربة مع عشيقها  من الحرب ،لتعود ثانية إلى  باريس التي تقول عنها مدينة الجمال، لم تخلق للحرب ص(120) وهنا أكد على الانسجام العاطفي بين البطلة والمكان  بوصفه مدينة الجمال لم تخلق للحرب، وعشق البطلة الأول  للحبيب -سان أتيان-، تبلورت أفكارها ونضجت في مدينة باريس، كان يجتمع حولها العشاق في المدينة في زمان اشتد به العنف و قتال الشوارع  في حرب (الفروند ) (ص82 ) فتجردت الحياة من احاسيس الراحة والسعادة، واختفت مشاعر الحب الا عند نينون فهي تسري في احساسها، تلك السعادة وانتصارها من شدائد المعارك النفسية بعزيمتها نحو العيش بحب لا ينقطع .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان