ثقافية

الفائدة من الشعر

داود سلمان الشويلي

 

تؤكد جميع الدراسات والبحوث عن الشعر،انه يمكن ان نتناوله من أي جانب من جوانبه المتعددة،او ندرسه من خلال احواله المتنوعة.و الدراسة التي نقوم بها في هذه السطور هي من هذا النوع،وهو الاجابة عن سؤال ما”الفائدة”من الشعر؟أي ماذا يحصل عليه المتلقي،قارئاً او سامعاً،وكذلك الشاعر،منه ؟  

هذا السؤال المطروح هو ما سوف تتوضح الاجابة عنه في السطور القادمة،ونعرف فائدة الشعر للمتلقي،والشاعر،او ما يضاف لمعلوماتهما.

جاء في المعاجم العربية،ان معنى الفائدة هو:اِسْتَفَادَ فَائِدَةً عُظْمَى مِنْ عِلْمِهِ،مَا يَسْتَفِيدُهُ الإِنْسَانُ مِنْ عِلْمِ أَوْ عَمَلٍ أَوْ مَالٍ.و هي كذلك الزِّيَارَةُ التَّيِ تَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ وَتُضَافُ إِلَى مَعْلُومَاتِهِ.

ولما كان لاي شيء في حياة الانسان فائدة،مثل اعضاء الجسم الانساني،كالزغب(الشعر الخفيف)،والى اكبر عضو في الجسم،وهو الساق،الى ما هو خارج منطقة جسم الانسان،كبرت او صغرت،فإن للشعر كذلك.

وكما ان الشعر هو ابداع جمالي،فهو ايضاً خلاص انساني،لان الشعر بصورة عامة، هوفعالية عقلية،وذهنية،وخيالية،عندالانسان،الانسان الثقافي،والانسان الطبيعي(بمفهوم الانثروبولوجي شتراوس)،وهذه الفعالية لا يمكنها ان تكون بلا فائدة،اذ انها عند ذلك تصبح فعالية عبثية،غير منطقية،ولا معقولة،فعالية خارج الزمان والمكان،فعالية ميتافيزيقية،غيبية،وغبية.

ان الابداع الجمالي،والخلاص الانساني،هما فرديان عند المبدع باسس جماعية،وعند المتلقي يكون ذلك الابداع والخلاص،فرديا وجماعيا في آن واحد.

والفائدة التي يحصل عليها الانسان من الشعر هي فائدة للانسان الطبيعي،وللانسان الثقافي على السواء.

***

ولما كان الانسان الطبيعي نادر الوجود الان في علاقته بالشعر،فإن الانسان الثقافي،أي الانسان الذي غادر الفترة الطبيعية من حياته،هو الموجود،ووجوده الذي له علاقة بالشعر،مهما كانت قوة هذه العلاقة،هي التي سندرسها في هذه السطور لمعرفة الفائدة التي يجنيها هذا الانسان من الشعر.

و الفائدة التي يحملها الشعر للانسان الثقافي اضافة لما قلناه،هي فائدة الدلالات والمعاني التي يفرزها،فتتراكم عنده تلك الدلالات والمعاني،فيحصل على توسيع افاق وعيه.

***

ولما كان الشعر فعالية انسانية،فإنه يحمل في طيات عالمه ما يشكل فائدة للغير من خارج كيانه،فائدة للانسان السوي.فهو يحمل فائدة للانسان الطبيعي من خلال الظواهر المرئية والمبصرة التي ينشئها،مثل الايقاع الخارجي الذي ينشأ من الوزن والقافية،وهذا ما يمكن ان نسميه بالتنغيم،والتجانس اللحني،الذي يتولد من تكرار الفعل والممارسة بإيقاعية خاصة،مما يمنح النفس نشوة خاصة، وادهاش كبير.

***

والشعر يمنح الانسان،الطبيعي والثقافي على السواء، طاقة خلاقة في ادراك وفهم كل شيء.

إذ يمنح الانسان الطبيعي طاقة في ان يعي وضعه، مثلما اعطت البغي شمخة لانكيدو في ملحمة جلجامش،الوعي له في ان يدرك وضعه الانساني بين ان يبقى طبيعياً،وحشياً تحركه غرائزه،او ان يكون انسانا مثقفاً يستطيع التحكم بغرائزه بواسطة العقل.

لقد انسلخ انكيدو من حالته الحيوانية الى حالة انسانية جديدة بتثقيف الجسد والروح، بسبب ما قدمته له البغي.

الشعر يفعل الفعل نفسه،أي تحويل الانسان من حالة الى اخرى،من حالته الطبيعية الى حالة جديدة نطلق عليها حالة الانسان المثقف،الانسان السوي،الانسان المدرك لما يدور حوله.

***

وتتوافق الفائدة التي يحصل عليها هذا الانسان من الشعر على مدى وعيه الشعري،ذلك الوعي الذي يضع حدودا بين الانسان الذي يسمى بالانسان الواعي،والانسان غير الواعي،لهذا تكون الفائدة الحاصلة من الشعر هي وجود هذا الوعي.

عندما يكون الوعي بالشعر فعالا ونشطاً عند الانسان تكون الفائدة كبيرة وواسعة، وبهذا يكون الوعي والفائدة،كحصاني سباق الكل يجري بسرعة لكي يفوز،الا ان النتيجة هي التعادل.فكلما كان الوعي في اعلى مراتبه،كانت الفائدة اكثر،وهكذا.

الوعي الشعري والفائدة في طرفي معادلة طردية،كلما زاد الوعي زادت الفائدة،والعكس صحيح،وكذلك كلما كانت الفائدة من الشعر كبيرة –حسب تصور الانسان- كان الوعي بالشعر كبيرا.

***

والشعر يجلب للانسان الطبيعي،و المثقف،الهدوء والراحة النفسييتين بعد اعباء يوم كامل،او ما تسمى في المسرح”التطهير”كما عند ارسطو،وكلا الامرين،المأساة والملهاة،يقدمهما الشعر لكلا الانسانين.

التطهير الارسطي يثقف الانسان الطبيعي ويجعله اكثر دراية وفهما لوضعه الانساني، وكذلك يرقّي الانسان الاخر.

***

وهناك فائدة انطولوجية/وجودية للانسان من خلال تمكينه على فهم وجوده بين الكائنات الحية،وغير الحية،وهذا يتأتى من خلال قصيدة تحرك فيه كوامن الفهم والادراك الوجوديين.

***

ومن فوائد الشعر التي يحملها للانسان بنوعيه الطبيعي والثقافي هو “ادراك الجمال” الانساني في الطبيعة،والوصول به الى مراتب متقدمة في هذا الادراك، والفهم.

الجمال الانساني في الطبيعة لا يدركه سوى الانسان الحساس،الانسان الذي يحس ويشعر بصور هذا الجمال الواقعية والخيالية،والشاعر ومتلقي الشعر على السواء هم الاكثر حساسية لادراك ذلك الجمال.

***

الشعر بحد ذاته يعد نظاماً معرفياً يحصل عليه المبدع والمتلقي على السواء. والمعرفة،وتفعيل العقل والفكر،هي كسب للمعلومات،و تحصيل الثقافة منها.(راجع الفصل الاول من كتابي”تجليات الاسطورة – قصة يوسف بين النص الاسطوري والنص الديني”).

***

ومن فوائده كذلك،تنشيط ملكة الخيال عند الشاعر والمتلقي على السواء.إذ لم يقدّر للخيال ان ينمو ويتطور الا في مجال الشعر.

يصل الخيال الشعري عند المبدع الى مديات بعيدة فيرتقي معه خيال المتلقي،حيث يكون المجاز،والاستعارة الجيدة،هي احد مفاتيح مغاليق مخيال المتلقي.

متعة التخيل تقوم بتهذيب النفس البشرية،وتوسع الخيال عندالاثنين، الشاعر والمتلقي.

***

تطور اللغة وما تقدمه من فنون لسانية ونحوية وبلاغية عند الشاعر والمتلقي،إذ تمنح هذين الشخصين،وغيرهما،حصيلة لا بأس بها من مفردات لغوية،وتراكيب لسانية، ونحوية،وبلاغية جدبدة.

***

وقد نستفاد من الشعر في فهم وادراك بعض قضايا الفلسفة والمنطق، وكيفية طرح الاسئلة الفلسفية،الكبرى والصغرى،ان كانت اسئلة تتعلق بالوجود،او بأي قضية ما.

***

واخيرا: 

الشاعر خالق،اي صانع،مبدع،ولما كان كذلك فإن الفائدة التي يجنيها الشاعر والمتلقي على السواء هي الخلق،وصناعة الجمال،والابداع الحر.

ان الخلق يأتي من خلال وعي الشاعر وفهمه لكيفية التركيب اللغوي،والايقاع الداخلي،وابداع الفكرة النادرة،والموضوع المؤثر،لهذا يجتمع الخلق والابداع عند الشاعر والمتلقي بين العقلي،والجمالي،والنفسي.

الخلق العقلي من خلال الوصول النظام الكوني للاشياء،ومنه الى الراحة النفسية للشاعر والمتلقي.

والخلق الجمالي هو منح الانسان الاستعداد الكامل للتأمل وخلق عالم خيالي.

والخلق النفسي هو منح الانسان الطاقة النفسية والاستعداد الروحي للفعاليات المادية والمعنوية للانسان.

(رفعت الشواهد اللغوية عن الدراسة خوفا عليها من الاطالة).

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان