تقول سوزان برنار في كتابها “قصيدة النثر من بودلير إلى يومنا –ترجمة شاكر لعيبي ” : (( قصيدة النثر تفترض رغبة التنظيم الواعية في شكل قصيدة، عليها أن تكون كُلاً عضوياً، مستقلاً، مما يَسْمح لها بالتمايُز عن النثر الشعريّ: وهذا ما سيقودنا إلى القبول بمعيار الوحدة العضوية مهما كانت معقَّدة، ومهما كانت حرّة ظاهرياً، إذْ على القصيدة أن تشكّل كُلاً، كوناً مُغْلقاً، بمخاطرة فقدان خصِّيْصَتها كقصيدة((. سندرس في هذه السطور قصيدة من ديوان الشاعر علي لفتة سعيد ( اثر كفي )، هي قصيدة ” اكل هذا الحزت لي ؟” محللين اياها ، مشيرين الى مدى تطابقها وقصيدة النثر التي تحدثت عنها سوزان، ليس التطابق المسطري،الحافر على الحافر ، وانما التطابق الابداعي لهذه القصيدة ، لان لكل قصيدة عالمها واجواءها وقوانينها الخاصة بها . والقصيدة التي نتحدث عنها هي وحدة واحدة ،على الرغم من ان الشاعر وضعها في سبعة مقاطع مرقمة ، الا اننا نجد المقاطع هذه هي تنويع على جسد القصيدة وموضوعها ، فالموضوع الذي يتحدث عنه الشاعر هو موضوع مرور الزمن ، وفقد وغياب الاحبة والاهل ، واحساس الشاعر بهذا المرور الذي ترك اثاره عليه ، على روحه وجسده . هذا من جانب ومن جانب اخر ، فقد تطور الشعر العربي منذ نشأته الى يومنا هذا حتى وصل به المطاف الى ان يتنكر لاقدم شكل مضموني للقصيدة اول ان اسلمت القياد لمنشئها ، وهي القصيدة الجاهلية ، وتنكر شعرنا المكتوب هذه الايام لها ولشكلها المضموني وهو الوقوف على الاطلال ، والبكاء في صحراء خاوية مع صحب لا يجيبان السائل عن شيء ما ،انه مغادرة المحطات الاولى للدخول في فسحة الزمن الواسعة . وعلي لفته سعيد عاد من جديد لتلك الاوليات الشعرية ولكن بنكهة القرن الواحد والعشرين ،اذ راح يبكي على الاطلال كأول بكاء بكاه شاعر جاهلي ولكن بثوب من فصال القرن الواحد والعشرين ،فكتب قصيدة ( اكل هذا الحزن لي؟ ) ليقول ما لم يقله الشاعر الجاهلي عن بكائه وهو ينظر الى اطلال الحبيبة تلك في المقدمة الطللية التي يمتاز بها الشعر العربي القديم ، كمعلقة امرئ القيس ، ومطلعها : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ومعلقة طرفة بن العبد ، وزهير بن أبي سلمى ، و عنترة بن شداد ، و عمرو بن كلثوم ، وغيرهم من الشعراء. اراد الشاعر من هذه القصيدة ان تكون القصيدة التي يخاطب بها اطلاله ( نفسه ) ، كما خاطب الشاعر العربي القديم حبيبته من خلال مخاطبة اطلالها، في مقدمته الطللية. القصيدة بوح حزين وشفيف في البحث عن الكينونة بعد ان ضاعت بفقدان العمر وتسربت اعوامه ، وطرح لمجموعة من الاسئلة التي تصطاد فرح حياته (وسؤالٍ يصْطاد بانْحناءةِ استفْهامه أغْنياتي) ، فتأتي لا كما طرحها الشاعر العربي القديم على اطلال الحبيبة ، والبحث في بقايا الضعن واثاره ، بل انها اسئلة تطرح ليس مآلها فقط الكينونة بل ما هو خارجها ، سؤال عن علاقته بالاخر كما كان الشاعر العربي القديم يطرح اسئلته. والسؤال الذي ما انفك شاعرنا يطرحه هو : ( أكلّ هذا الحزْنُ لي؟) وهو يثير الدهشة والتعجب من هذا الحزن ، وفيه يتساءل الشاعر: – هل عادت خيولي الصاهلة من رحْلة العشقِ متْعبة الحوافرِ ؟ – هل جفّت غيومي ؟ – هل غابَ القمرُ بعْد أسْبوعٍ من آخرِ صلاةٍ! اسئلة يطرحها الشاعر وهو يخاطب الاخر / نفسه ، كما خاطب الشاعر العربي القديم اطلال حبيبته ،بمخاطبته لصاحبيه، او صاحب الرحلة ،عله يجد جوابا شافيا لها بعد ان مرت الاعوام به وعادت خيوله متعبة ، وجفت غيومه ، وغاب قمره. ان الحزن الذي ( تنضح) به الابيات الاولى من المعلقات هو الحزن نفسه الذي ( تنضح ) به قصيدة (اكل هذا الحزن لي).
اهم الاخبار
ثقافية
أثـــر كفّـــي" البكــاء علـــى الاطــلال فــي قصيــدة " أكــلّ هــذا الحزن لـــي ؟
- 26 نوفمبر, 2013
- 562 مشاهدة









