محمود قنديل
في روايته ” السقشخي ” يسعى الروائي العراقي علي لفته سعيد إلى كسر الأطر التقليدية لفن الرواية، والخروج عن المثلث الأرسطي المعتاد ( بداية – عقدة – حل ) متخلصًا من نمطية السرد، ومبتعدًا عن السائد والمألوف بالنسبة للزمن الروائي وتداعي الأحداث، ناثرًا أحاسيسه – كإنسان ومبدع – في أجواء عالمه، واضعًا خلاصة فكره تجاه الخطوب، ومحددًا موقفه تجاه القضايا الشائكة ، والرؤى الضبابية الغامضة .
فالبطل ” ماجد ” المنتسب إلى منطقة سوق الشيوخ بالعراق ( السقشخي ) يعايش انكسارات الوطن بفعل نظام ديكتاتوري أدخل البلاد في أنفاق مسدودة وحروب مدمرة غير مُبرَرَة، وكان القمع عنوانًا للنظام، والقهر شعيرة من شعائره، والسجن مأوىً لمن يفكر في كلمة اعتراض أو احتجاج.
والكاتب يرصد المشاهد والشواهد من خلال سرد يصوِّر ولا يُقرر، ويرسم ولا ينقل، وكأننا بصدد فنان تشكيلي يتخذ من الريشة والألوان واللوحات أدوات يصنع بها أوجاعه المسكونة عبر فن روائي جميل، لتتقدم ” السقشخي ” رواياته الخمس السابقة ( وشم ناصع البياض – اليوم الأخير لكتابة الفردوس – الصورة الثالثة – مواسم الإسطر لاب – مثلث الموت).
ولعل التصوير الفني المفعم بالدلالات هو ما يلفت الذائقة إلى طرائق التشكيل التي اعتمدها الكاتب في صياغة سرده .
فها هو البطل يقول مصورًا ما يجول بأعماقه ” أحلم بأن تمسكني ذراعها لتهوى بي من اليأس الصاخب إلى عمق السماء الضَّاجة بالأدعية ” ص19، وكأنه يعبر عن رغبته الخفية في التطلع إلى الأمان بمساعدة زينب (الحبيبة والزوجة).
وفي عذوبة يبوح : ” أخبرتُها أن القهوة هي القُبلة التي زرعتها على شفتي وسحبت كل يباس الأرق والخوف وتعب السفر. قلت لها: أنا أسبح في الشمس وأشعر بالبرد حالما لمحت وجهكِ بين الوجوه ” ص21
فالسابح في الشمس لا يمكن أن يشعر بالبرد إلا إذا كان ضياء الشمس قد انطفأ أو غابت – عن الوطن – الحرية.
الاعتقال
وعندما يتم اعتقاله يصف مشاهد التعذيب: ” كأن طراكيع الشتاء تسقط في حُفَر الجسد العديدة، لتتحول إلى براكين هائجة من أنين وآهات وتلوي في الجلوس” ص36. الأمر الذي يجعل المتلقي يعيش ويعايش لحظات القهر وكأنه شاهد عليها.
وفي أيام الحصار المضروب على جسد الوطن يرى البطل هروبًا لجمالية الأشياء (جميعنا نحب المدير الذي يطالبنا بالصبر والتعامل مع الحصار على أنه قدر مقدّر.. رغم أنه يجلس على كرسي خشبي متهالك وأمامه منضدة هرب طلاؤها منذ زمن. ص46 ، وكأن الطلاء لم يستطع الصمود أمام مأساة اللحظة فآثر الهرب. وعندما يمثل البطل أمام المحقق الأمريكي على خلفية اتهامه كأحد منفذي الهجوم على برجي التجارة العالمي يصف ما بداخله إزاء أسئلة المحقق وإجاباته ” كان الحوار يثير الحرائق يتلوّى في داخلي مثل أفعى متربصة في حفرة تحت قدمي مباشرة ” ص51، في إشارة إلى مدى عداء الأفعى وما تحمله من سموم قاتلة .
وفي عذوبة سردية وصفاء عاطفي يتحدث عن حبيبته ” زينب تضحك.. ضحكتها معادلة سماوية لا تجعلني أنزوي في خيمة حزني ص 50 فأبادلها الابتسامة فينزل من عينيها قوس قزح يشبه صفاء البحر ” ص80 ففي ضحكة زينب غياب لأحزانه
سوق الشيوخ
وفي محاولة من الكاتب لرصد الوضع الجديد للعراق بعد رحيل النظام ” كان السائق مشغولًا بحبْك كلامه وكأن نافذة أو كوة انفتحت له ليطلق سيلًا من الاحتقان المكبوت في داخله.. كان يتحدث وينفح دخان سيكارته بقوة فيصطدم بالزجاجة الأمامية الكبيرة للسيارة ويعود لي مخلفًا ضبابًا يضطر إلى مسحه بظاهر كفه لتوضيح الطريق ” ص173، فثمة مراوغة فنية – هنا – فدخان السيكارة مرادف لأفعالنا والزجاج حائل بيننا وبين رؤية الصواب والأمر يحتاج إلى أيدينا لتمحو حسابات أخطائنا كي يتكشف لنا الطريق أو المستقبل.وفي ترقب البطل أمام التلفاز لآخر أخبار دخول القوات الأمريكية لمنطقته ومسقط رأسه (سوق الشيوخ) يتحدث: ” واصلت الترقب.. أربط قرىً من الأسئلة وأحتفل بغابات من الفخر المربوطة بأشجار مثمرة تدلني على رحيق لا نهاية لزكاته ”
إنه يتحسس في ظل العتمة وميض أمل مشع، أو يتنفس رائحة عطر رغم ما يزكم الأنوف من عفن .
وفي تعبيره عن مرارة يعانيها البطل : ” شيء من الغصة أصابني وأنا أمارس لعبة المراقبة من داخل شوق مرهون ، ومسكون بذاكرة لم تتيبس ” ص 163
وبصورة مموسقة يخاطب البطل/ ماجد حبيبته : ” يا زنبقتي .. سأحملكِ لوحة في عيني .. ستكونين الموناليزا في قلبي .. ربما لن أكون دافنشي .. ولكن سأكون لكِ ماجد الذي تتخيلينه .. أسقيكِ حُبًا ” ص 93
ومن جماليات الصور عند كاتبنا استنطاقه للأشياء ، وأنْسَنَته للمشاعر ، وتجسيده للمعنوي بغنائية تداعب حاسة التلقي لدى القارئ ، وتثير تفكيره ، وتعمل على ذوبانه في عالم الرواية ، فيصبح وكأنه جزء منها ، أو أحد شخوصها السابحين في غمار بحارها .
استشراف المستقبل
فهاهو “علي لفته ” يرسم لنا بريشة فنان تشكيلي يملك مفردات الفن ويراقب كِمْيَاء الحياة ويتجول في جنبات الواقع ؛ يرسم لنا مشاهد اللقاء بين البطل الذي أُطْلِق سراحه وحبيبته (زينب) التي كانت في انتظاره بلوعة ولهفة وشوق ” ربما دون سيطرة مني سقطت دمعة وسمعتُ نشيجها ولهفتها تضرب رقبتي .. لتنقذني من وجع الغرق في بحر اليأس الذي كنتُ فيه ، وفي التفكير اللامتناهي من أن وجودي معها قد أضحى سرابًا وصعب المنال .. كانت الخيبة تجر أذيالها وأنا أترك كتفي وأسفل رقبتي لدموع عينيها وشهيقها المحبوس ، وأسمع صرير روحي وهي تفتح ما تحصن فيها من شوقٍ وحب ولهفة لها .. يمتد الزمن في لف ذراعينا وإننا وحدنا في هذا الكون .. وحدنا من طفا علينا الغيم ليمطرنا عناقًا ” ص 145
وكلها – في حقيقة الأمر – صور تذوب في النص الروائي وتتخلل خرائطه لتكشف عن أغوار نفس ، أو تجسد مشاعر ، أو تصيغ رؤى ، أو تستشرف مستقبلًا . فهي – إذن – ليست عبثية ولا مجانية ، بل أتى بها كاتبنا لخدمة إبداعه وتتويجه بتيجان من حروف مشرقة .
إننا في هذه الرواية ( السقشخي ) نجد الموهبة حليفة للكاتب والصنعة مرافقة له ، فقد استطاع إحالة الهمِّ الخاص إلى عام وتحويل الواقعي إلى فني عبر مصداقية تشكلية نأى بها عن الفوتوغرافية .
لقد قدم لنا الروائي “علي لفته سعيد” صورًا حقيقية من خلال أساليب فنية مستقرة ببوتقته الإبداعية ، قدم لنا حقبة تاريخية كان مُعَايشًا لها وشاهدًا عليها .









