ثقافية

العلاقات الثقافية العربية ــ الفرنسية من نابليون حتى هولاند

استطلاع وتحقيق / الحقيقة

 
( الجزء الأخير )
 
وان الاسكندرية الشهيرة بمكتبتها اليونانية والرومانية كانت حصنا وميناء رومانيا وظلت تحمل طابع هذه الحياة حتى في العصور الاسلامية ورغم ان ارض الكنانة كانت في كل حين تدافع عن مجد العروبة بعد السقوط الدموي لبغداد على يد هولاكو الا انها عرفت طموحات نابليون ورغم كره اهلها الشديد الى حكم المماليك الذين هزموا سريعا امام مدفعية بارجات الاسطول الفرنسي الا ان اهل مصر الحقيقيين كانت لهم في شوارع القاهرة ودمياط والرشيد منازلات دموية هائلة ازعجت نابليون كثيرا وعجلت بمغادرته الاراضي المصرية متخفيا ليترك بدله مساعده الجنرال كليبر ونهاية الحملة  هزيمة منكرة لفرنسا وجلاء قواتها التي لم يبق منها سوى الثلث ولكن مشايخ نابليون تركوا بصمات من وعي جديد تأسست عليه طروحات الحداثة العربية الجديدة التي شهدت نموها الحقيقي في القرن الثامن عشر فكان منها قاسم امين ورفاعة الطهطاوي والشيخ محمد عبده وغيرهم ليتصل هذا بالقرن العشرين لنرى طه حسين والمنفلوطي وسلامة موسى وغيرهم وهؤلاء ورثوا من الثقافة الفرنسية ما اعتبروه جزءا من رد فعل مقاوم باتجاه المستعمر الانكليزي الذي وضع الخديويات من احفاد محمد علي باشا واجهات فقط والحاكم الفعلي هو المندوب السامي البريطاني. منذ ان غادرت آخر سفينة فرنسية ارض مصر غير الساسة شيئا من الرؤى العقائدية لفكرة الاستعمار ورغم انها ظلت قائمة بقساوتها في البلدان المغاربية الا انها حاولت فيها ان تظهر جانبا تنويريا ولو بالجزء القليل تماما بسبب ان الوطن العربي بعد انهيار دويلات الطوائف في الاندلس ودولة بني العباس دخل في فترة مظلمة من الجهل لا مثيل لها وقد عزل العثمانيون الوطن العربي عن الحضارة بفاصل فراسخ لاتعد من الامية والجهل وبهذا تعطل كل نشاط حضاري في الوطن العربي غير ان الشعور برغبة المواطنة والحرية ظل قائما رغم الاستبعاد واصرار اسطنبول بجعل نفسها الوريث الشرعي للخلافة الاسلامية ولكنها كانت اكثر خضوعا من العرب انفسهم للارادات الكبرى التي توزعت بين الطموحات الانكليزية والفرنسية والايطالية والالمانية والروسية والاسبانية وغيرها لذلك ابقت فرنسا النهج ذاته لقناعتها ان الذاكرة العربية لم تكن مهيئة لتدخل في عولمة الثورة الصناعية وما صاحبها من متغيرات حضارية على مستوى الفكر بشتى قنواته وهي ايضا في الوقت نفسه لم تمنع الذين كسروا طوق عزلة الظلام هذه ليتعلموا في جامعاتها واعتبرت ذلك جزءا من التبشير للثقافة الكونية الفرنسية التي بدات تعيش عصورها الذهبية في القرن الثامن عشر صعودا خاصة فيما يهم ابداعات الفلسفة والشعر والرواية والفنون الاخرى اضافة الى دخول الالة في مجالات الحياة.غير ان القرن العشرين هو قرن فرنسا المثالي فبعد الحرب العالمية الاولى اظهرت معاهدة سايكس بيكو التقسيم الجديد للعالم وهو تجديد لذلك الاستعمار ولكن بوجه اخر وهو الانتداب والذي سمحت فيه فرنسا لاجيال كثيرة من رعايا البلاد التي تنتدبها ليتعلمها في مدارسها واولئك كانوا نواة الحداثة في بلدانهم وهم من ساهموا في ترجمة افكار الحضارة الفرنسية خاصة ما يهم الادب وباقي الفنون مع هذا ظلت نظره العسكرتاريا تهيمن على المؤسسة الوطنية الفرنسية رغم ان العاصمة الاسطورية باريس لم يمنعها حصن ماجينو من السقوط في يد هتلر لتعيش فرنسا ولاول مرة في تاريخها في ظل دولتين دولة فيشي الموالية للنازيين ودولة ديغول الذي اسماها المقاومة الفرنسية وتحت لوائها انضم معظم مفكري فرنسا وادبائها وعندما ررت باريس بقي ذات الطابع الاستعماري يوجه المؤسسة المنتصرة لكن الجنرال ديغول كسر رتابة كل هذا حين اقر بالامر الواقع ومنح الجزائر استقلالها وهي واحدة من اكبر مستعمرات الخارج والخاضعة الى الطرح القائل انها جزء لا يتجزأ من الوطن الفرنسي وهو البلد الوحيد الذي مورست عليه الفرنسة بشكل قسري ودموي ما زالت الجزائر تعاني من اثاره حتى اليوم.جاور تلك الرؤية الاستبدادية التي مارستها فرنسا على بلدان العالم الثالث نهضة فكرية وتجديدية كبيرة وكانت باريس تمثل ملاذا امنا للحرية الفكرية وتنوع الابداع وكان لها ان تحتضن كل الذين يرغبون في ايجاد المنافذ الواسعة لابداعهم فكانت ان نمت فيها مدارس الفن الحديث الموسيقى والمسرح والتشكيل الذي مثله بيكاسو وكاندنسكي وسلفادور دالي رغم عدم اصولهم الفرنسية وفيها ترعرعت السريالية بشكلها الادبي والفني صانعوها لم يكونوا من الفرنسيين ومنهم الشاعر الروماني تريسان تيزار وكان من دهاتها الفرنسي اندريه بريتون صاحب البيان السريالي الشهير وبهذا هيمنت الثقافة الفرنسية على ثقافة القرن وارادت من خلالها ان تحدث نوعا من التبشير وقد نجحت في ذلك كثيرا اذ صارت المدارس الحديثة نهجا ابداعيا لجميع كتاب ومبدعي العالم ممن تأثروا بالخطابات التي حملتها السريالية وبعدها الوجودية والبنيوية وغيرها من المدارس. بعد ان فقدت فرنسا ممالكها في افريقيا وآسيا ظلت تعيش على افكار المتغير الحضاري الذي هيمنت عليه الفكرة الاميركية التي تدين بالولاء لفرنسا التي اعانتها كثيرا في حرب الاستقلال ضد بريطانيا وحتى تمثال الحرية الموجود الان في نيويورك هو هدية من فرنسا لاميركا بمناسبة استقلالها هذا الامر جعلها تنعزل قليلا ازاء هيمنة القرار ورغم هذا تريد فرنسا اليوم ان تشعر العالم انها قوية خاصة في موقفها الرافض للنوايا الاميركية في اسقاط نظام صدام واذا جاز لنا ان نحلل الرؤية الفرنسية فهذا بقودنا الى الشعور الفرنسي بضياع الكرامة الاممية التي كانت تضمن لها هيمنة وموارد بعد ان بسطت الولايات الاميركية فكرتها بطرق تختارها هي اين ومتى وكيف؟ واعتقد ان اميركا لن تحصل على لوم احد لان لفرنسا وبريطانيا تاريخا اسود من الهيمنة وسرقة الثروات والاثار وما موجود اليوم في متحف اللوفر شاهد على ان هوية الشعوب ليست في قاعات متاحفها الوطنية انما في صناديق الزجاج في متحف اللوفر وبومبيدو وفرساي لذلك تريد فرنسا ان تلعب لعبتها الحضارية وخلق الكتل الكونية ذات البناء الادبي والسياسي كما في المؤسسة الكولنيالية وجعلها نمطا ادبيا وحضاريا يمثله الكتاب باللغة الفرنسية من دول كانت هي تحت ظل الاستعمار الفرنسي مثل الشاعر ليوبورد سنغور وجورج شحاده المصري والطاهر وطار وكاتب ياسين وغيرهم ولكنها مؤسسة لم تنشط كونيا لانها انحصرت في الهم الفرنسي وهي لغة رغم ثرائها الحضاري لكنها لم تمتلك سعة اللغة الانكليزية التي هي اللغة الكونية الاكثر انتشارا في المساحة الابداعية والفضل بذلك يرجع الى شكسبير اولا وثانيا الى اساطيل الملكة فكتوريا ورغم هذا توجد في الرؤية الحضارية الفرنسية الكثير من الاتساع والفهم عبر قاعدة التلقي والمتلقى منه اي ان الحضارة الفرنسية تعطيك وتاخذ منك بذات العطاء وهي لم تنغلق على اي منجز حضاري.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان