محمد الحمامصي
وقالوا: فكيفَ يطيرُ كسيرٌ ؟
فطارَ وكانَ جناحاً كسيرا
وقالوا: فكيفَ يعيشُ فقيرٌ؟
فعاشَ وكانَ مليكاً أميرا
وقالوا: فكيفَ يَشعُ ظلامٌ؟
فشعَ وكانَ سراجاً مُنيرا
وقالوا: فكيفَ يطيرُ كسيرٌ
فطارَ وكانَ جناحاً كسيرا
فضجت وضاقتْ وكانوا عليها
جميعا قبوراً تَضمُ قبورا
يتمتع الشاعر العراقي رافع بندر برؤية شعرية خاصة تجلت في أعماله الشعرية خاصة مجموعتيه “همسات في زمن صاخب” و”بين شقوق الجدران”، أثرى من هذه الرؤية مشاركته الثرية في المشهد الشعري وحضوره وتفاعله مع مختلف الأجيال، وتألقه في جمعه بين القصيدة العمودية والتفعيلية والنثر، بالإضافة إلى معايشته لمجريات الأحداث التي مني بها العراق والتي آخرها الهجمة الارهابية المأساوية وما حصدته من أرواح بريئة ودمرته من مقدرات هذا البلد العظيم.
يرى رافع بندر أن الإبداع يولد من رحم الوجع، وان العراقيين عرفوا هذا الوجع ولهذا أكثر شعراء الكون عددا هم العراقيون. يقول محمود درويش: “كن عراقيا لتصبح شاعرا يا صاحبي”، وعليه فكلما تطور الوجع تطور الشعر. أنا شاعرٌ عراقي المنبت شاركتُ بمهرجاناتٍ شعرية داخل العراق وخارجه، وتفاعلت مع مختلف الأجيال الشعرية العربية، وأصدرت عدة مجموعات شعرية.
ويضيف “الكوارث هي المادة الخام للشعر، الرحم الشرعي لصناعة الإبداع بكل توصيفاته، شعر، نحت، رسم، موسيقى، هناك كوارث شخصية خاصة وأخرى عامة، عندما نذكر الأولى يبرز لنا السؤال الاتي: هل كان سيكون بيتهوفن موسيقارا كونيا لولا أنه أصم لا يسمع؟، هذه الكارثة الجسدية جعلت منه عبقريا، وعندما نذكر الكوارث الخاصة يبرز أمامنا السؤال الاتي أيضا: هل كانت أوروبا ستنهض هذا النهوض العلمي الخارق لولا كبح جماح قساوسة صكوك الغفران وإيقاف بلدوزرات تسلطهم وإنهاء جنون تقديسهم في القرون الوسطى؟
نحن من نصنع الكوارث بإراداتنا وفطرتنا وعندما تتدحرج علينا كراتها النارية نقاومها بالكتابة، ولهذا فالعراقيون أول من اكتشف الكتابة في التاريخ البشري.. هنا المفارقة .
ويشير رافع بندر إلى أنه لا علاقة بين الكوارث والنمط الشعري الكتابي، نحن نتحدث عن إبداع، أعطني إبداعا بأي شكل شعري كان، قلت قبل قليل إن الكوارث مادة خام، تنتهي مهمتها هنا لتبدأ مهمة الشاعر، السياب كتب القصيدة العمودية ثم صنع لنا منعطفه الخطير في الشعرية العربية أعني قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، أدونيس بدأ عموديا وانتهى نثريا، القالب الشعري مجرد وعاء لا أكثر، إذن هي رؤية يبتكرها الشاعر، مخلوقه الفطري الابداعي، يقول الجواهري “وخلها حرةً تأتي بما تلدُ”.
ويؤكد على أنه من المؤلم أن نطلق وصف الشاعر القديم على امرؤ القيس والمتنبي وابن زيدون وأحمد شوقي لأنهم كتبوا القصيدة العمودية، ونضع شعراء التفعيلة والنثر في خانة الحداثة، هذا الإجحاف المزمن أيبست أطرافه جزالة المفردة، وهي بذرة المعنى عند القدماء، عد إلى قصائد نزار قباني العمودية ستقف كثيرا أمامها، في حين الكثير من المحدثين التفعيليين وحتى النثريين تمر على شعرهم مرور الكرام. ولكل حال استثناءاتها بالتأكيد.
القصيدة العمودية لا يمكن أن تموت أو تندثر، كلما خفتت عبر تاريخها الطويل تتقد ثانية وتشع وتضيء، في العشر سنوات التي مرت طغت القصيدة العمودية بشكل ملفت في الساحة العربية، طغت على قصيدة التفعيلة بإفراط، أما النثر فكاتبوه كثيرون ولكن الشعر قليل.
ويلفت رافع بندر إلى أنه في كل عصر يظهر دعاة شعر طارئون تتم تعبئة أجسادهم بقطن الإعلام، وهؤلاء القطنيون كثر والحمد لله، وهو مشهد عربي عام وليس عراقيا فقط يتكرر مع كل جيل، هناك شعراء وهناك متطفلون على الشعر، وفي مشهد كهذا معتم وممل يبدو الشاعر الحقيقي كما قال المتنبي “غريب الوجهِ واليدِ واللسانِ”.
ويشدد رافع بندر على أن الشعر العربي في أزمة مزمنة ومكثفة، ويتساءل: هل تعتقد أن طرفة ابن العبد أو بودلير أو بريتون أو الفرزدق أو أمل دنقل لم يعيشوا أزمات مضنية بين معادلة الشعر والنقد والمتلقي؟، أزمة الشعر ليست في الشعراء بل في المشهد الذي يحيط بهم عبر أزمانهم كلها.
وحول ما إذا كان النقد يتابع حركة الشعر، يقول “99% من النقد بطش هستيري بجسد النص، فكيف نطلب منه أن يواكب حركة الشعر؟ الغريب أنه كلما تقدمت عجلة الشعر ابتعدت عجلة النقد، مع أن عدد النقاد ومنظّري الشعر في ازدياد لافت، إذا أردت قتل نص ضعه تحت مجهر ناقد مقطب الجبين”.









