الحقيقة – نهضة طه الكرطاني
وجاء في كلمة الترحيب والتعريف بأدب الركابي، أنه كاتب تزخر أعماله بكلماتٍ من مثل مخطوطة وكتاب أو دفتر وهذا تعبير عن الرسالة التي يحملها هذا البلد. وأبطاله هم أبطال مؤمنون بقضيتهم، أبطال ملحميون مثل إسماعيل الذبيح، على العكس من أبطال غيره من الأدباء وهذا ما يميز أدب الركابي. لذلك من الممكن الاعتماد على أدب الركابي فيما بعد عقودٍ كثيرة لدراسة تاريخ العراق ككل، لأن بين ثنيات كل رواياته وأدبه، تاريخا مفصلا لتاريخ العراق بدءاً من الحرب العالمية الأولى ولحد الآن، كما يؤرخ للاحتلالين العثماني والبريطاني للعراق وما نتج عنهما من كوارث وأزمات. وبرأيي فإن هذه الثيمات والسمات الأساسية بأدب الركابي تجعله جديراً بهذه الجائزة وبجوائز أكبر في المستقبل. هذا ببساطة من دون الخوض في أبطال الروائي.
ثم ترك المايكروفون للروائي للحديث عن تجربته فاستهل الحديث مبدياً أسفه من غياب الأدباء والإعلاميين والمؤسسات الرسمية.. ثم ألقى كلمته بالمناسبة قائلاً أنه حضر الجلسة احتراماً للموعد الذي حدده لجمهوره على الرغم من الظرف الصعب الذي عانى منه والمتمثل باختطاف أحد أفراد عائلته.
وجاءت كلمته تحت عنوان (درس ثربانتيس) وهو صاحب كتاب دون كيخوته، الذي في مقدمة كتابه (حداثة التخلف) يقول مارشال فيردمان: إن أهم شروط الاتصاف الكامل بالحداثة هو أن تكون معادياً للحداثة، فمنذ أيام ماركس ودوستويفسكي إلى يومنا الراهن ظل الإمساك بطاقات العالم الحديث، ناهيك عن الإحاطة بها واحتضانها، أمراً مستحيلاً بدون ازدراء بعض وقائعها الأكثر ملموسية ومحاربتها، ولا غرابة إذن أن أعمق آيات جدية الحداثة، كما قال الحداثي ومعادي الحداثة الكبير كيركغارد، أن تعبر عن نفسها من خلال السخرية.
تلك هي إذن معادلة فريدمان الذهبية: اقتران جدية الحداثة بالسخرية منها، وهذا أمر سبق فيه العراقيون العرب الآخرون، باستثناء الفلسطينيين بطبيعة الحال، في اكتشافه، فقد عرفوا الحداثة، في أول الأمر، على شكل مبشرين وباحثين اثنولوجيين ومنقبي آثار منبهرين بسحر الشرق، تلخصت مهمتهم بإعداد الميادين للغزاة القادمين في أعقابهم، تاركين لنا (عظمة) الحداثة نلوكها على مهل ونحن نخوض غمار معاركنا على جبهات الفن التشكيلي والشعر والقصة والرواية والمسرح والنقد، قبل أن نكتشف متأخرين أن أوطاننا احتلت وانتهى الأمر.
لقد بات تبني الحداثة من الأمور البديهية حتى أن الروائيين مثلاً انشغلوا طويلاً بجدية سؤال مفاده: أتصح كتابة الرواية على طريقة روائيي القرن التاسع عشر- قرن الروايات العظيمة والروائيين العظام- أم على الطريقة الحديثة طريقة (بروست وكافكا وجويس)؟ وتناقضت الأجوبة كما هو متوقع، فمن قائل إنه لابد من تبني الاتجاه الأول في مجتمع لا يزال غارقاً في ظلام الأمية، ومن قائل باستحالة ذلك! إذ أنه كما حدثت قطيعة ابستمولوجية- بحسب مصطلح باشلار- في مجال العلوم الدقيقة مع الاتجاهات القديمة، حدث الأمر نفسه في مجال الإنسانية والرواية أقرب إلى هذه العلوم بدون شك!
في مناخٍ على هذه الشاكلة مثلت روايتي (سابع أيام الخلق) لديّ هذه القطيعة الابستمولوجية، فبعد كتابة خمس روايات هي (نافذة بسعة الحلم 1977) (من يفتح باب الطلسم 1982) (مكابدات عبد الله العاشق 1982) (الراووق 1986) (قبل أن يحلق الباشق 1990) وجدت نفسي وانسياقاً مع قراءاتي التي كانت تتوزع آنذاك بين الفلسفة المعاصرة والتصوف، وجدتني أنهمك سنة 1989 في كتابة رواية جديدة أفزعني ما فيها من جدة وتمرد على رواياتي السابقة، ففجأة ومن دون سابق إنذار وجدتني شخصياً أتحرك ضمن شخصيات الرواية حتى أنه انتابني شك طارئ، إن كان ما أنجزه آنذاك رواية أم سيرة ذاتية؟ بيد أنني سرعان ما تجاوزت هذا العائق، فتابعت العمل في تلك الرواية، وقد راقت لي اللعبة لأنتهي سنة 1992 ولتظهر مطبوعة تحت عنوان (سابع أيام الخلق) سنة 1994. حاولت في هذه الرواية استثمار إلمامي بالمصطلح الصوفي مع تشغيل الوثيقة التاريخية والأراشيف المتخيلة عن مدينة مفترضة اسمها الأسلاف هي تجميع شذرات مدن عراقية حقيقية وأخرى وهمية، تركت بصمتها على وجداني، في مدينة واحدة. كما تتبعت فيها مصير مخطوط الراووق على أثر تمزقه وتوزع أوراقه بين مختلف بطون العشيرة وأفخاذها. وقد حاولت فيها المزج بين السرد الشفاهي، متمثلاً بسيرة الأب الروحي للعشيرة (مطلق) التي تروى على أنغام الرباب، والسرد الكتابي، متمثلاً بمصير ذلك المخطوط، مستثمراً في الوقت نفسه ما يسمى بـ(ما وراء الرواية) وذلك بتأمل مراحل نشوء الرواية نفسها مقترنة بنمو المدينة المتخيلة وتحولها من (ديرة عشائرية) إلى مدينة كبيرة متحضرة.
كما عمدت إلى توزيع حروف اسم الرحمن، بما لهذا الاسم من دلالة عند المتصوفة تتعلق بالخلق، على فصول الرواية ليحمل الفصل الأخير، الذي هو محض صفحة بيضاء، اسم حرف النون، مستثمراً فكرة عرفانية تعرف بـ(الكمال والنقص)، تاركاً للقراء مهمة تأويل خاتمة على هذه الشاكلة. ولم أنس إدخال عنوان الرواية (سابع أيام الخلق) مع اسمي الشخصي في المتن الروائي.
نشرت بعد هذه الرواية مسرحيتين طويلتين هما (البزار) و(نهارات الليالي الألف) قبل أن أعاود مسيرتي الروائية بكتابة (أطراس الكلام) سنة 2000، و(سفر السرمدية) سنة 2005 و(مقامات إسماعيل الذبيح) بين سنة 2005 و 2008 لتظهر في طبعتها الأولى سنة 2013 قبل أن أنشرها في طبعة منقحة سنة 2016 و (ليل علي بابا الطويل) سنة 2013 و(ما لم تمسسه النار) سنة 2016.
تبقى روايتي الجديدة التي لا تزال قيد الإنجاز، فمنذ سنة ونصف وأنا منشغل بكتابتها عائداً فيها إلى مدينة الطفولة والصبا (بدرة)، حيث الواقع يمتزج بالخيال، مستثمراً في ذلك ما تتيحه لي الاتجاهات الفكرية المعاصرة، ولاسيما التفكيك، من أدوات جديدة تتمثل بالنبش بحثاً عن الأصول وصولاً إلى ما يستبعده الخطاب ويتناساه، مع معالجة الارشيفات الخاصة بالمرحلة والحفر في طبقاتها المنسية.
وكما كان شأني في (سابع أيام الخلق) تشكل الوثيقة التاريخية، في هذه الرواية، مصدراً أساسياً يتيح لي فرصة مساءلتها وصولاً إلى الدلالة التي تنطوي عليها.
ولا أكتمكم أنني طوال عملي في هذه الرواية لم استطع التنصل مما قاله (فريدمان) في كتابه (حداثة التخلف) معزياً النفس، حينما ينتابني اليأس بوجود مبدعين كبار مهدوا لنا السبيل، أحدهم كان اسمه ثربانتس لم يملك، حين ضاق ذرعاً بانتشار كتب الفروسية في زمنه، إلا أن ينتقم من هذه الظاهرة بإبداع واحدة من أعظم الروايات هي (دون كيخوتة) جاءت، على الرغم منه، كتاباً آخر في الفروسية، بيد أنه مفعم بالسخرية منها.
واختتم الركابي كلامه بالتوجه إلى جمهوره شاكراً لهم حسن إصغائهم وعدم تذمرهم لطول الكلمة.
ثم فتح باب المداخلات أمام الجمهور فتكلم القاص عبد الأمير المجر والقاصة رغد السهيل والشاعر والناقد رضا المحمداوي والفنانة كريمة هاشم .
واختتمت الجلسة ، بقطع كيكة الاحتفال بالفوز بالجائزة ، ثم تلاه توقيع الكاتب لمجموعة من رواياته.









