كتاب الحقيقة

تبادل نشر الغسيل

علي علي 

 
   ما أظن أحدا منا قد نسي أن مجرد استدعاء مسؤول بأية درجة وظيفية يشغلها إبان حكم النظام المقبور ماذا يعني؟! وماذا يعني أن يطرق أحد الـ (رفاق) باب الدار مبلغا أن (فلان يتفضل يمنا بالفرقة). وتبعات هذا التبليغ قطعا لم تكن للتكريم او الاحتفاء اوالترفيع والعلاوة، إذ تنتظر المسكين دهاليز وظلمات قلما يخرج منها سليما معافى، وان سمحوا له بالخروج فهو لتبليغ الذين في الخارج عن هول مارأى وماحصل له، وبهذا يكون درسا لهم في تفادي كل ما من شأنه التقرب من الجلاوزة وأزلام النظام. والحمد لله الذي منّ على العراقيين وزالت (الغمة من هالأمة). فمنذ عام 2003 لم يعد الاستدعاء يخيف أحدا من موظفي الدولة ومسؤوليها سواء أكان مقصرا في واجباته ام لم يكن! إذ بات طبيعيا ان تشرق الشمس على العراقيين بنشرات الاخبار اليومية يتصدرها نبأ صدور عدد من مذكرات استقدام او استجواب بالجملة بين وزراء ونواب ورؤساء وأعضاء مجالس محافظات ومدراء عامين، والبقية حتما تأتي. بعد ان باتت لعبة سحب الثقة (أعتگ من لعبة جر الحبل)، فمحافظات الإقليم كانت في وقت مضى تسحب صوب الشمال، وآخرون يسحبون صوب الجنوب، ومن الأنبار هناك من يسحب (غربي) ومن ديالى (شرجي) ومن المحتمل ان يستحدث أحد الشرفاء الـ (فلتة) جهة خامسة وآخر يستحدث سادسة، وهم كلهم موهومون ان الثقة حبلا مطاطيا يستطيل ويقصر حسب الطلب والحاجة والمصلحة والنية. الأمر الذي  أوصل الفرد العراقي الى قناعة بعد يأس ان الثقة مصطلح ديناصوري، يتعذر وجوده في القرن الواحد والعشرين في رقعة جغرافية كالعراق، هذه الرقعة التي كانت مهد أولى الحضارات، وشهدت ولادة باكورة العلماء وأسست فيها أولى الجامعات في العالم. اليوم وبفضل ساسة (هالوكت) اصبحت هذه الرقعة أكاديمية عليا يتخرج منها السراق بشهادات وامتيازات وكفاءات بفنون السرقات والتزويرات وألوان الكذب والخداع بتزكية (من فوگ) متدرعين بأغطية مستحدثة منها الحصانة والمنصب والكتلة والحزب والمنسوبية (غير المحسوبة) والمحسوبية (غير المنسوبة).  
   وعلى مايبدو ان الموضة والموديلات هي الاسس التي يتبعها الساسة في تغطية فعالياتهم في الساحة السياسية للبلد. فبعد ان خفت حدة الاستدعاءات التي كان يحلو لبعضهم تسميتها استضافات، حل محلها اليوم كيل الاتهامات بين المسؤولين ونشر غسيل بعضهم على مرأى ومسمع العراقيين، من دون وازع من ضمير او رادع يقوّم ما اعوج من أدائهم في مفاصل البلاد وبخسهم حقوق العباد، إذ لم يعد منظر الغسيل الوسخ يدعو للخجل، ولم يعد يؤثر ويحد من الولوغ بالاهمال والتهاون المتعمد وغير المتعمد في أداء واجباتهم. 
    ان العد التنازلي للانتخابات البرلمانية بدأ ينفد، والدور هذه المرة على المواطن العراقي بالدرجة الاولى في تكفل انتقاء من يخدم البلد بصدق وإخلاص،  كما عليه أيضا أن ينبذ السيئ والمعوج الذي لايرجى تقويمه، ولتكن كراسي السلطة والمنصب هذا المرة أرائك مفروشة بالحرير لمن يصون الأمانة ولاينكث العهد مع الشعب، وفي ذات الوقت تكون نارا وسعيرا لمن يروغ عن أداء الواجب ويراوغ بحقوق الملايين.
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان