أتابع ومنذ أيام ردة فعل كثير من الشيوعيين وأصدقائهم بشأن التحالف المعلن بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب الإستقامة الذي يمثل التيار الصدري، لخوض الإنتخابات المحلية والبرلمانية المقبلة، وقد تباينت ردود الأفعال ما بين رافض ومشكك بهذا التحالف وما بين موافق وداعم لمثل هكذا توافقات سياسية، وبينهما من وقف مراقباً ومنتظراً لمقبل الأيام، التي ربما ستكون محطة مقياس لمصداقية هذا التحالف الذي يحدث لأول مرة بتاريخ العراق، واقصد ان يتحالف تياران يمثل كل منهما فكراً مختلفاً تماماً، وعقائد غير متواشجة البتة عن الاخر.
وبقراءة خاصة لهذا التحالف الذي ربما كان متوقعاً عند كثيرين، نتيجة تواجدهما ومنذ ما يقارب العامين ونيّف على منصات الاحتجاج والحراك الجماهيري الداعي للإصلاح، واللقاءات المتبادلة بين القادة الشيوعيين والقادة الصدريين، والتي أعلن عن كونها تمهد لمثل هذا التحالف الذي ربما صار واقعاً، والذي أرى فيه انه جاء رداً مغايراً، في وقت مازالت فيه كثير من أحزاب الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني مصرة على التحالفات المبنية على مبدأ المحاصصة الطائفية، الذي سبق لقوى الحراك الشعبي ان رفضت العمل به في الإنتخابات المقبلة.
كثير من المشككين يبنون وجهات نظرهم على مواقف سابقة للتيار الصدري، وكذلك لتحالفات قديمة خاضها الشيوعيون، وأقصد ماحدث عن عودة التيار الصدري الى دعم المالكي في الإنتخابات قبل السابقة، بعد ان كانوا بموقف يشبه المعارض تماماً لمثل هكذا دعم، والذي كنا نرى فيه ان ائتلاف المالكي والتيار الصدري كانا في شبه معركة مستعرة، انتهت بعكس المتوقع وهو عودة التيار الصدري لحضن التحالف الوطني الشيعي بقيادة المالكي نفسه، ومن جهة الشيوعيين، فان المعترضين عليهم، يتذكرون تحالفات أخرى عقدوها مع جهات سياسية أخرى خذلتهم وأخرجتهم من (المولد بلا حمص) كما يقول المصريون، ومن تلك التحالفات تحالفهم مع رئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي، والتحالفات الأخيرة مع أحزاب صغيرة جنت لوحدها الفائدة وتركت الشيوعيين خارج اللعبة السياسية.
اليوم ومن وجهة نظر قد يتفق معي بها البعض – اذا ما صدقت نوايا الصدريين- فان هذا التحالف يعد منطقياً، كون المتحالفين هنا يمثلون الطبقات الفقيرة والمسحوقة والتي تمثل القاعدة الحقيقية للحزب الشيوعي العراقي بصفته المطالب أبداً بحقوقهم، وللتيار الصدري الذي يرى فيه المسحقون الممثل الحقيقي لمطالبهم في ساحات الإحتجاج، كونه الجهة الأكثر حضوراً في تلك التظاهرات والإحتجاجات، فضلاً عن انقيادهم التام لقرارات ومطالب من يرونه رجل الإصلاح، في المرحلة المقبلة، وأقصد السيد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، وهذا يعني ان المشترك الأكبر الذي يراهنون عليه هو عملية الإصلاح التي يتبناها فعلياً هذان الحزبان او التياران.
التيار الصدري من وجهة نظري لن يخسر شيئاً في هذه التجربة – مالم تتدخل أياد خفية- فهو لديه قاعدة شعبية كبيرة ستؤهله لحصد مقاعد كثيرة في الانتخابات، كون تلك القاعدة لم تتأثر بالمتغيرات والمتحقق على أرض الواقع، وبقيت على ولائها للسيد الصدر، كما هو الحال في مدينتي الثورة (الصدر) والشعلة وبعض مناطق حزام الفقر في بغداد، فضلاً عن قاعدته الواسعة في محافظات الجنوب، لكن الوضع الذي سيكون عليه الحزب الشيوعي العراقي هو الذي يقلق قاعدته، التي تخشى مفاجآت الصدريين، وعبث الأيادي الخفية التي تقف بالضد من كل ماهو علماني او يساري، لكن ومن وجهة نظري ان الشيوعيين دخلوا في هذا التحالف وفق المبدأ (الميكافلي) الذي يقول “الغاية تبرر الوسيلة” والغاية الواضحة هو الحصول على أكبر عدد من المقاعد لتشكيل كتلة اصلاحية كبيرة بمساعدة قاعدة الصدريين الشعبية الكبيرة التي يمكن ان أسميها الوسيلة، وهذا الأمر قد يكون سلاحاً ذا حدين، الأول ان يحدث ما هو غير متوقع، ويرى الشيوعيون انفسهم وقد تلقوا مقلباً جديداً، او إنهم سيكسبون جولتهم هذه وتتحقق غايتهم بوسيلة القاعدة المرتكزة على شعبية الصدريين وتقاربهم السياسي والاجتماعي وليس الفكري.





